ماما نسوية


بسم الله الرحمن الرحيم

تحية طيبة؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تقبل الله اعمالنا وأعمالكم


في الفترة الأخيرة بدأت ألاحظ ميلي لحياة الجيل السابق. أعتقد -كما الكثير- في كثير من الأحيان أن كبار السن ذوي بعد نظر واصحاب حنكة وإن لم يعلموا هم بذلك. وبخلاف كثير من الأمور التي يصدقون بها ويظهر العلم بعدها بسنين صِدقها، أميل أحيانًا إلى التمسك بخرافات مع علمي بكونها خرافات. وأعزو ذلك دائمًا في نقاشاتي عند لجوءي لرأي قديم :” أنا أولد فاشن”.

مرة قد قضيت يومًا بأكمله اقنع صديقتي أن ترتدي الأخضر في يوم عقد قرانها؛ لم؟ لأن العادات كذا! ولأن جدتي تقول! ولأنه أحسن! أعلم يقينًا أن لون الثوب لن يحكم على حياتها لا بالسعادة ولا بالشقاء. لكنني أحب الخرافات هذي؛ امسكي مرآة وقت عقد القرآن، مقص جديد، سكر نبات،…. الخ من الخرافات تلك. (صديقتي وافقت على اللون الأخضر فقط؛ للأسف 😂)

هذي الأمور البسيطة والساذجة رغم أنها لا تنفع فهي لا تضر. أعتقد أنها من التقاليد البسيطة الجميلة والتي من الجميل أن نحافظ عليها. بالطبع سنصعد درجة عن اجدادنا فنقوم بها ونحن نعلم أنا محظ خرافة وإلا فإنا نخطو خطو والد سيدنا ابراهيم.

يعجبني كب الملح لمنع الحسد، جلسة الحنّة وقطع القماش السبعة، الزعفران في مفرق الشعر، تبادل الأطباق قبل الأذان بدقيقتين في شهر رمضان، صنع البخور المنزلي، ملء كوب الشاي حتى يفيض، وخلط البهار. (لكني لسه ما أحب الحنا الحمرا)
بالإضافة لذلك؛ فإني أجد قرارات كبار السن كانت محنكة. فأنا شخص صالح لي أفضل أم على وجه الخليفة، وبالطبع أمي شخص صالح لها أم الأفضل على وجه الخليقة، جدتي شخص صالح لها أم…… نحن نتاج تراكمات وتراكمات من أساليب التربية والتوجيه والقرارات. وأنه من الساذج جدًا أن نلقي بذلك عرض الحائط ونقرر أن نبدأ من جديد. أتفهم أن أساليب قديمة تربوية كالضرب بالخيزرانة قد لا تناسبنا كأفراد من الجيل الجديد. لكن؛ أحيانًا اصرارنا على شق الطريق الجديد بمفردنا سيكون متعبًا، طويلًا، وقد نفوت فيه اختصارات سرية لن نكتشفها لوحدنا.


قد اعزو الأمر إلى كون جيلنا الحالي هو جيل التفتح والتجديد. فنحن من بدأ الهجوم على العادات البالية، وبدأنا في السؤال في الدين وتقنين الصالح من الطالح والحق من الباطل. نحن عصر التفجر المعلوماتي الهائل حيث أصبح الكل: الباحث المقاوم للفكر الصدئ.

ولربما هنا مربط الفرس؛ فدائمًا عندما نتعود على خط ما -بشكل مبالغ فيه ومتطرف- فإننا نبذل مجهودًا مبالغ فيه للعودة للطريق المتزن مما يجعلنا متطرفين في عدم التطرف .طبقوها على أي مثال تريدون؛ شخص نباتي، شخص متدين، شخص ملحد،….الخ. محاولتنا في تصحيح الخطأ أحيانًا تكون مساوية في السوء للخطأ نفسه. لذلك أجد أننا بالغنا في المقاومة والتشكيك فبدأنا ننفصل تمامًا عن ماضينا. بالغنا في ردة الفعل حتى باتت عبارة (عادات وتقاليد) مقرونة بالتخلف، المحدودية والثبات. كمثال: كانت العادة عندهم أنا تطرق الجارة بيت الجارة وتدخل بلا موعد. أصبح هذا قلة ذوق وتعدي على خصوصيات الناس، فصارت بمواعيد وتكلف، ثم خفت واختفت. وهذا قد يكون نتيجة لوجود شبكة الانترنت ايضًا فأنا اكتب على سبيل المثال لا الحصر. كمثال آخر: كانت الامهات قديمًا يقومون بتوبيخ صغارهم أمام الأمة جمعاء في حال خطئهم، وهذا في الوقت الحالي قد يؤثر على نفسية الطفل ويؤذيها للأبد، فالحوار الشخصي في المنزل عن التصرف الخاطئ هو الطريقة المثلى للتربية حاليًا. ثم اصبحت الامهات يختصرن التوجيه ويدعون المجال لحرية التعبير والتعلم التلقائي. حتى صار الاطفال يتصرفون كما يشاؤون متى ما يشاؤون دون ارشاء.( ايوا اقصد الأطفال في المحافل الاجتماعية اللي يتصرفون بقلة ذوق والام ماتحرك ساكن، عشان ماتفشله قدام الناس. غلط!!)
مجددًا؛ ليست كل تجارب الأقدمين مذهلة، ولكل مقام مقال وكما قال الامام علي -رغم اختلاف الصياغة-:” لاتقسروا اولادكم على ادابكم فانهم مخلقون لزمان غير زمانكم ”

‎صرنا نحارب الخرافة؛ هذا جيد جدًا بل ممتاز. لكننا بدأنا ننفصل عن أنفسنا وعن اسباب البهجة الصغيرة وتجارب الامهات الكبيرة. قد يكون من الصعب الامساك بالعصا من المنتصف. لكني أعتقد أننا يجب أن نحاول أن نخلخل العادات وننتقي منها قبل أن ننسى كل شيء.


*جدتي تُحب شرب بيالة الچاي بالورد*

وعلى سبيل النسوية وشهرتها حيث صارت الموضة الحالية؛ وهي حركة تعنى بالدفاع عن حقوق النسوة والطلب في المساواة الحقوقية بجميع سبلها وتفرعاتها.
احدى المواقف التي من المستحيل أن أنساها والتي لها الأثر الكبير في حياتي؛ والتي تجعلني دائمًا ابتسم وأفكر في أن للوالدين طرق تعامل خاصة منذ الطفولة لها أثر كبير ممتد ومزهر.

كنت في الصف الأول الابتدائي -٧سنوات- وكنت أتحدى أحدى أخوتي في أمر لا أذكره حاليًا. وفي منتصف التحدي اكتشفت أني سأخسر؛ فغيرت موقفي في التحدي. اعترض الطرف المقابل على التغيير: كلمة الرجال وحدة! وهي عبارة دائمًا ما تلقى للدلالة على ثبات رأي الشخص وعزيمته.

فرددت وأنا أحاول أن اتمسك بأي أمل للفوز: كلمة الرجال وحدة بس كلمة المرة ثنتين.

انتهى التحدى بكيفية ما هي اخرى لا أتذكرها. لكن الشاهد هنا ماحدث بعد التحدي؛ حيث اخذتني والدتي في مكان معزول وأغلقت الباب وجلست مقابلتي تشرح علي كيف أني يجب ألا أترك لأحدًا فرصة في التقليل في شأن النساء. وان النساء لسن أبدًا أقل من الرجال لا ذكاءً ولا دهاءً ولا قوة. وأني لو استهزأت بقدراتي ولم اقدرها فلن يقدرها أي شخص.

كان حديثًا طويلًا دسمًا كنت وقتها لا أفقهه كله وغالبًا ماكنت أفكر أن الموضوع “مش مستاهل كل ده”.

لكن في الواقع هذا الحدث يرن في عقلي منذ ذلك الوقت وفي كل سنة استشعر عظمة هذا الموقف وقوته وأفكر مدهوشة في عقلية أمي المدهشة في ذاك الوقت وقبل ١٥ سنة حيث شبكة الانترنت لم تكن بقوتها العظمى، ولا المنتديات الثقافية، ولا البرامج التلفزيونية.

وهذا مايدل على أن جيل أهالينا كان له نصيب من كل مانمر به لكنها بدون المسميات الرنانة؛ فلنتفكر.
والآن لو عدنا بالزمن لذلك الوقت: هل نسمي ماما نسوية؟

حُييتم

بيان علي
صفحة التواصل: هُنا

Advertisements

4 thoughts on “ماما نسوية

  1. احب العادات في المناسبات الاجتماعية ، تقليد يميز كل منطقة عن الاخرى ويحفظ الموروث
    ذكرتيني بعاداتنا للزواج في السودان مميزة وخصوصا يوم الحنة 😄
    تدوينة مميزة ،دمت بود بيان

  2. دائماً موفقة في الطرح يا بيان
    و فِعلاً تجارب و آراء الأقدمين يجب دائماً أن تكون محط اهتمام
    من ثم قولبتها في الرأس و اختيار ما يمكن تطبيقه

ساهِم في التغيير ، أترك لي ردًا ♥

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s