أيش آخر تويتة كتبتها؟


 

بسم الله الرحمن الرحيم

تحية طيبة، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته

يومكم طيب سعيد يا سادة.

image

تدوينة اليوم كانت على الاحندة منذ ما يزيد عن شهر، وأبت ألا تخرج إلا خلال دراستي لكتاب علاج الأعصاب من أجل اختبارٍ قريب. سؤالي اليوم مطروحُ بعد ملاحظتي لأحد الظواهر المنتشرة في مجتمعنا –وهذه الملاحظة في هذه التدوينة هي احدى عدة ملاحظات تنصب في ذات الموضع-. قد يكون الموضوع غير مريحًا للبعض، لكنها دعوة فقط للتفكير. سعادتي بالآراء التي قد تخالفني وتناقشني قد تفوق تلك التي تقف وتصفق لي صامتةً من بعيد.

أتذكر عندما كان عمري ما بين السادسة والتاسعة، كانت قد انتشرت قصة ذلك الملحد الذي تحدى الله عز وجل أن يظهر له في ساعة معينة وفي ساحة معينة، وبعد انقضاء الوقت قرر مستهزئًا أن ذلك الحدث هو الدليل القاطع بعدم وجود الله. وبعد توجهه للمنزل وخلال استحمامه توفَي بعد دخول قطرة ماء داخل اذنه كما يموت الحمار. بالإضافة لأن المستفاد من القصة كان عِظَم ذنب الإلحاد، إلا أنه كان أيضًا يعني بربط طريقة الموت (الذلة) مع عمل الانسان (تحدي الله عز وجل). لسبب ما، لا تزال هذه القصة قابعة في عقلي منذ ذلك الوقت!

كما أن كثيرًا من الصور لا تزال قابعة في عقلي لأشخاص مؤمنين بعد أن تتوفاهم المنية وهم مبتسمون، والتعليقات تدور حولهم بما أحسن عملهم وما أرفع درجتهم عند الله.

وذلك كله كان تحت مفهوم: حُسن الخاتمة –كتبها الله لكم ولنا ولكل المؤمنين-.

أما حاليًا وعن هذا أتحدث: فبعد وفاة شخص ما بساعتين أو ثلاث، -وغالبًا في هذه الظاهرة ما يكون شخصًا طيبًا- يهرع الكثير لعمل مسح سريع شامل على وسائل تواصله الاجتماعية، بحثًا عن آخر تغريدة\تدوينة\مقطع أو عبارة كتبها المتوفي قبل وفاته. وبعدها مباشرةً تنتشر مقولته التي يستقرئ الناس منها احساسه بقرب الموت، أو اشتياقه للجنان. وأحيانًا آخرى عندما لا نرى تلك “ألتغريدة” التي تتحدث عن الموت، فإننا نلخص حياة ذلك الشخص كاملةً في تغريدة معينة، فلو تحدث عن الاصلاح في البلد نقول أنه كان مصلحًا وكان هدفه الاصلاح. ولو كانت دعاءً –حتى لو كان مشتركًا بخدمةٍ تغرد عنه وهو حتى لا يعرف ماذا ينشر-، فذلك الشخص كان ديّنًا خلوقًا، وهكذا تواليك. ويعزو الناس ما يفعلونه –أو ما أتوقع أنهم يحاولون قوله- إلى ذات المفهوم: حُسن الخاتمة. ولكنه بطريقة ربما تُعد حديثةً نوعًا ما.

وهذا ما يجعلني أفكر في كل مرة أكتب فيها تغريدة، فلربما تكون هذي آخر ما أكتب. هل سيحكم الناس علي بعدها طبقًا لما تحويه؟ ربما يعد الموضوع سخيفًا لأفكر فيما سيتحدث الناس فيه عني بعد أن أموت، لكنها فكرة سأكذب لو قلت أنها لا تزورني كثيرًا. كما أن التساؤل يقول كيف يجد الناس دائمًا ما يتناسب مع وفاة أحدهم؟ وبالتفكير والبحث في الموضوع فإني توصلت لعدة مفاهيم نفسية تساعد في فهم الموضوع.

أولها: الانحياز التأكيدي (أو الذاتي)

 

يعني أن الشخص عادةً يعمد إلى تفسير الظواهر حسب معتقداته الشخصيه. أي أننا وفي هذه الحالة كمُسلمين معتقدين بفكرة “حُسن الخاتمة” فإننا نعمد لاستخدام “التغريدات” كدلائل لحسن الخاتمة حتى ولو لم تكن مرتبطة. وقد نستخدم هذا الدليل رغم وجود مئات الادلة المناقضة. نحن فقط نركز على وننحاز إلى ما يُثبت اعتقادنا.

image

هذه التغريدة لي في 2014، لو كانت آخر تغريدة لي: فلربما قال البعض أن بيان كانت خلوقة، محبة لمساعدة الآخرين حتى أنها كرّست وقتها في الكتابة في مدونة لتحث الناس على هذه القيمة الحسنة. 

مع العلم أن أغلب تدويناتي عن الدراسة وهذه التدوينة كانت ضمن سلسلة معينة مؤقتة “اتأمل”، وضمن حملة معينة مؤقتة “أخلاقنا_انسانية”.

 

image

هذه التغريدة بعد سلسلة تغريدات عن مادة الصيدلة التي كنت أدرسها ؛ قد يقول البعض أنها دلالة لحبي للعلم، حيث كانت تسهر الليالي لتدرس فلقد كان مستواها الدراسي جيدًا. 

رغم أني اؤثر النوم على أن أدرس لو تأخر الوقت، فلم أذهب أبدًا إلى اختبار دون أن أنام.

.

ثانيها: انحياز الادراك المتأخر

وهذا المفهوم النفسي يعني بأن الشخص يعود بالحدث للوراء ويعتقد بعد مراجعة الأحداث أنه كان بالامكان التنبوء بالنتيجة. فمثلًا بعد أن يفوز فريق معين في مباراة، يقول البعض: توقعت ذلك نظرًا لبلا بلا بلا.

image

 

هذه التغريدة في 2014، قد تُفسر بعد أن أموت بأني كنت أشعر بقرب المنية قبيل أن أموت في حادث سيارة أو جراء سقوط نيزك.

بيد أني كتبتها ليلة تقديمي لورشة عمل أمام 200 شخص لأول مرة في حياتي، وكنت عندها متوترة فقط.

image

هذه التغريدة قد تفسر بذات التفسير، وأنا كنت كتبتها بعد مشاهدتي لأمسية للدكتور الراحل ابراهيم الفقي أسكنه الله فسيح جنانه.

 

 

أخيرًا: حاجتنا إلى التصنيف

وهذي الفقرة استطيع أن أقول –حاليًا- أني لم أجد مكانًا يتكلم عنها بطريقة علمية أو نفسية ربما لعدم جودة بحثي. وهو موضوع قد أبحث عنه في المستقبل وأخصص له تدوينة أو لربما بحث حقيقي علمي في المستقبل –بصراحة عجبتني الفكرة ولو أحدكم سرقها فبيننا صدقوني، المحاكم. ولو  كنتم تعرفون مصطلح يُعنى بذات المفهوم اكتبوه لي مشكورين-

أعتقد أننا كبشر نعمد دائمًا إلى محاولة تصنيف الناس ووضعهم تحت مسميات معينة في جميع المجالات. ترانا نصنف الناس حسب طريقة تفكيرهم (مخ أيمن، مخ أيسر –رغم أن هذا التصنيف غير صحيح علميًا)، نصنف الناس حسب عِرقهم، حسب لهجتهم، حسب طولهم، حسب دينهم،….الخ. وربما نقصد بذلك أن نُسهل على أنفسنا طريقة اتخاذنا القرار اتجاههم أو تحديد مشاعرنا لهم. فبعد أن يموت الشخص، أحتاج أن أصنفه، هل هو ضمن الأخيار، أم الأشرار؟ هل أحزن عليه، وأقضي 10 دقائق من وقتي في البحث عن سيرته وكتابه “تغريدة” رثاء عليه؟ أم أمر على خبر وفاته مرور الكرام؟ هل أكتب اسمه متبوعًا بـ”يرحمه الله” أم أنه لا يستحق الرحمة؟ –مجرد مثال، فعني أنا: اعتقد بأن الكل يستحق الرحمة الإلهية-.

وهكذا بتحليل آخر تغريداتهم، ووضعهم تحت تصنيف معين، يسهل علينا اتخاذ ردة الفعل المناسبة ناحيتهم.

image

image

 

ختامًا: في مرة من المرات انتشرت صورة لقبر شخص مُزهر وينبض خضارًا فتداولها الناس متبوعةً بالتهليل لعظيم عمل ذلك العبد الصالح. حتى ظهرت الحقيقة بعد ذلك أن قريبًا له قام بزراعة القبر.

 

المحصلة، لن أنصحكم بشيء، فقط فكروا بأن أي حكم تتخذونه دائمًا دائمًا ما يُمكن أن يعزو لمفهوم نفسي ما، له جذور أعمق يدفعكم لاتخاذه.

حُييتم.

تم

 

Advertisements

8 thoughts on “أيش آخر تويتة كتبتها؟

  1. ما ادرس كيف أصف التدوينة ، تدوينة جميلة ؟ لطيفة ؟
    لا ، بس أكيد اني استمتعت بقرائتها
    و فعلاً يا بيان ، جئتِ على موضوع نحتاج نتناقش فيه
    الناس بالفترة الأخيرة قامت تبحث في وسائل التواصل الاجتماعي لأي شخص يموت
    عشان بس تاخذ تغريدة أو تعليق تحت احد الصور في انستقرامه ليقوموا بنشرها
    و هذا الموضوع خلاني فعلياً أقكر بماذا سيجد الناس في حسابي و يقولون عنه بعد أن أموت -لست وحدكِ يا بيان-
    حتى أننس فكرت بأن أحذف بعض الأشياء من حسابي ، لكنني تراجعت
    و بنفس الوقت ، وجدت الكثير من غيروا ملف التعريف الخاص بهم ليضعوا بعض الآيات عن الموت أو الشهادة
    و أنا أجد أن جميع الأسباب التي ذكرتِها صحيحة جداً ، خصوصاً السبب الثالث -أحببت أنكِ استعملتي تغريداتك كنموذج-

    كل الشكر لكِ على طرح هذا الموضوع

  2. واو بيَان، أخيرًا أحد كتب عن هالموضُوع!
    مم ببداية التغريدة قلتي أغلب الناس اللي بهالظاهرة يطلعون صالحِين، أنا أشوف إن الناس كلهم فيهم جانب الخير والشَر، يعني كل إنسان حتى اللي أجمعوا الناس على كرهه أو سوؤه -يارب كتبت الهمزة صح :) – نقدر نلقى في جانب خيِّر! فالنتائج فعلا راح سبحان الله يطلعون كل الناس اللي ماتوا كويسين :) .
    أما بنقطة التصنيف فأنا ما أدري ليه الناس منزعجة لهالحد من التصنيف، التصنيف سلبيته بإني أتصرف بناء عليه بأمور سيئة، يعني مثلا أقول هذا كذا يعني أكرهه، هذا كذا يعني أحبه، وهذي الأشياء المفروض تكون بعد ما جربت الإنسان وعرفته مو بالشكل العشوائي هذا، لكن التصنيف مريح وأحيان كثيرة صحيح ويجنبك أشياء كثِير، لكن الواحد يحط برأسه إن تصنيفه حكم أولي مو شرط صحيح حتى لما يصنف نفسه، ما يخلي هالتصنيف قيد له، لفترة طويلة كنت أصنف نفسي انتروفيرت ومرتاحة مع تصرفاتي اللي بناءا على هالتصنيف، لكن بعدين لاحظت إني أسوي أشياء تكون مزعجة وأقول اوه عشاني انتروفيرت ههههه فاستوعبت إني أنا قاعدة أقيد نفسي بهالقَيد، اللي بأوصله أنا شخصيا أحب التصنيف خاصة لو نفسك لأن تساعدك تعرفين نفسِك!
    تدوينة رهيبة بيان حبيت فكرة إنك استخدمتي تغريداتك (بطريقة ما ضحكتني :| )
    (بما إن الأمر بالأمر يذكر: إيش رأيك باللي يحذفون حسابات الأشخاص اللي ماتُوا؟)

    • فعلًا ما في شخص خير تمامًا أو سيء تمامًا، وفي النهاية “اذكروا محاسن موتاكم” فأكيد اللي بيطلع عنه شيء حسن. بس أنا أقصد أن الحادثة تكون شائعة أكثر حول الأشخاص المشهورين\المعروفين بطيبهم.
      وبالنسبة للتصنيف، فهمتيني غلط! أنا مو منزعجة أبدًا. أنا فقط افسر الموضوع من هذه الناحية.
      فعلًا التصنيف يريحنا في اتخاذ القرارات *ويورطنا أحيان أكثر* هههههه.

      بخصوص سؤالك *وعجبني أنك سألتي في الرد، حلو أسلوب النقاشات هذا* ❤❤
      لفترة مو ببعيدة، توقفت أكون مع أو ضد بشكل كامل.
      الحسابات الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين حقيقةً، فلو كان الأهل مثلًا يرون أن حساب أبنهم المتوفي قد يحمل بداخله سوءات أو أمور غير لائقة وحذفوه، فهذا من حقهم ولهم وجهة نظر فيها.
      أما غيرهم، فأحتاج أن اسمع وجهة نظرهم في الموضوع *لم ألتفت مرة لهكذا أمر، لكن هذا أول ماخطر ببالي حقيقةً-.

      سعيدة جدًا بوجودك ❤❤

  3. مصادفة غريبة، دائم كنت أفكر بهالموضوع ولا مره فاتحت شخص فيه. توقعت اني الوحيدة اللي تفكر كذا🤔.
    حتى لما أكتب تغريدة كئيبة أتراجع أحيان وأحيان أفكر أختمها بإني ما احس اني بموت. يعني عشان لو مت ما يقولون اني كنت حاسه. حاقه غريبه والله.

  4. التنبيهات: التدوينة رقم مئة: ليست مدهشة بما يكفي. | مُدونة بيان علي ♥

ساهِم في التغيير ، أترك لي ردًا ♥

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s