صوت ضِحكة–قصة قصيرة .


بسم الحي القيوم

تحية طيبة، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

قصة قصيرة منذ سنتين، فوجئت أني لم أقم بنشرها بعد. ولأني في أي صباح لا أذهب فيه للجامعة أتمنى لو أن أنشر تدوينة، ظهرت هذه التدوينة

.

صوت ضحكة

صوت قطرات الماء المنسابة من صنبور الماء في منتصف الليل ، صوت إغلاق غطاء قلم الحبر الجاف و اغلاقه ، صوت جهاز تنظيف الأسنان الشهري ، صوت بكاء الطفل ، وحتى صوت الأغنية التي تحبها . كل الأصوات تسبب التوتر والقلق عند تكرارها بعدد لانهائي ، إلا صوت المطر وضحكة أمي . ومؤخرًا لم أعد اسمع هذا الأخير كثيرًا . تقوقعت أمي مؤخرًا بسبب مرضها ، هذا ما يظنه أخوتي وقبل شهر أبي أيضًا .

غير أني لا أؤمن بذلك . أمي التي تحملت ألم الوضع اثنتي عشرة مرة لا يمكن أن تتقوقع لحمى ، زكام أو ألزهايمر .

أمي شموخ أكبر من مرض ، ونور أقوى من ظلمة ألم . عندما لا تضحك أمي ، هذا يعني ظلم الحياة و انكسار حرية قلم.

منذ الصغر علمتني أمي أني حر وأن لي حقوقًا . كان في بيتنا الصغير لوح أبيض كبير فيه قائمة بالحقوق والواجبات . كنت مبدعًا عندما يتعلق الأمر بمحايلة أمي لأتملص من حمل واجب . وكانت أمي دائمًا تجد حيلة أقوى لترغمني على فعله . كان إرغام أمي عادلًا . فلا تجبرني على شيء . كانت تجعلني افهم أكثر وأحلل بشكل أعمق وأفعل الواجب عن اقتناع . كانت تترك لي حرية التنفيذ وكنت دائمًا اجد كلامها منطقيًا فأنفذ بلا تذمر.

كانت أمي تكره الأقفال ، والأبواب المغلقة ، وشبابيك النوافذ . كان تشعر بالحنق الشديد عند اغلاقي لباب غرفتي . وهو الباب الوحيد -بالإضافة لباب المنزل الخارجي وباب غرفة والديّ- ذو قفل خاص . كنتُ قد قدمت عريضة شكوى لوالدتي لمنعها إياي من الحصول على مفاتيح لغرفتي الخاصة . كتبت فيها كل الأسباب التي من الممكن أن تبرر مطلبي في الحصول على واحد ، كان منها : أن أخي السابع كثيرًا ما يدخل غرفتي دون أذن ليسرق مني كتاب قصة كثير وعزة . أتذكر أني كنت في السادسة عشر عندما اشتريت ذلك الكتاب بالخفية عن أخوتي خوفا من اتهامي بصفات الفتيات . كنت أستمتع بالجلوس تحت طاولة مكتبي مختبئًا عنهم أقرأ في تلك القصة مرة بعد مرة . حتى لاحظت أمي انحناء ظهري وضعف بصري ، فطلبت تفسيرًا مفصلًا والذي بالطبع قدمته عن اقتناع .و رغم أنها أعطتني مفتاحًا لغرفتي إلا أنها طلبت مني بإلحاح أن أحاول قدر الإمكان أن أبقي باب غرفتي مفتوحًا لأن ذلك يشعرها أن غولا يجثو على صدرها .

والدتي كانت الملجأ والمرشد والصدر الرؤوم . رغم أن والدي متواجد معنا في نفس الدار إلا أن من يظفر بالجلوس معه لدقائق يعد محظوظًا ومختارًا من قبل السماء لهذه الهبة . لم يكن ذلك يزعجني فأنا أعرف أن مطالبتي بجزء أكبر من وقته ليقضيه في الدار سيكلفني الكثير . ربما عندها سأشارك ثلاثة من أخوتي الغرفة وهذا مالا أطيقه . ربما أبدو أنانيًا لكن هذه وجهة نظري وهذا حقي في التعبير كما تقول لي أمي دائمًا .

أمي كانت تعقد عليّ جل أمالها ، كنت الأقرب لها بين أخوتي . كانت أمي بيني وبينها لا تخفي علي ذلك . كانت تقول لي أنها ترى ذاتها التي لم تستطع تحقيقها فيني بسبب زواجها المبكر . أخبرتني أنها سعيدة بوالدي وبنا وبعيشتها الكريمة . بيد أنها لا زالت تشعر أن حريتها اغتصبت عندما أجُبرت على الزواجِ في سنٍ صغير -رغم أن النتيجة لم تكن سيئة- . كانت توصيني أن احافظ على مبادئي وألا اكون إلا كما خلقني ربي انسانا حرًا رافضًا للعبودية إلا له عز وجل.

لا أزال أتذكر عندما دخلت على والدتي في المطبخ وهي تعد لنا طاجنًا من الخضر فألقيت عليها القنبلة بأني قررت أن أترك هذا البلد . أمي التي كانت تقطع الخضر بقياسات متناهية في الدقة وتعد وجبة شهر رمضان لأربعة عشر شخصًا في بضع ساعات ، أمي التي لم نشعر يوما بأن الملح كثير في طعامها أو قليل – فيما عدا أن نكون في نهاية الشهر وقد انتهت مؤونتنا من الملح – جرحت إصبعها ذلك اليوم . جلست على أقرب كرسي وسألت بصوت جهور مكسور ‘ لم ؟ .’ أعدت عليها ما تقوله لي مرارًا ومرارًا منذ أن كنت طفلًا ” يا بني ، إن السجن لا يشترط أن يكون ماديًا ، ربما يكون السجن في رأسك أنت أو يكون المجتمع أكبر سجن ” أخبرتها أن هذا البلد لم يعد يحقق لي طموحاتي ، ولا يحترم حريتي الذي تربيت على ألا اتخلى عنها ، أخبرتها أني لن أتنازل عن انسانيتي وأخضع لقوانين لم تقنعني ولم تحترم الإنسان الذي أنا عليه ، أخبرتها ان الله سبحانه سوف يحاسبني أني عندما رأيت ضيق هذا البلد لم لم أسعى في أرضه ؟

تلك الليلة لم تمر والدتي على غرفنا لتتأكد من نومنا ، كنت أعلم أنها تبكي في زاوية غرفتها كما تفعل عند وفاة أحدهم . ذهبت لها فتداركت دموعها وقالت بصوت مخنوق : ما بك بني ؟ احتضنتها تلك الليلة مطولًا ، كما كنت أفعل قبل خمسة عشر سنة . همست في أذني : أحاول ألا اقمع حريتك ولكن فؤادي يتقطع يا ولدي . وكان فؤادي تلك الليلة يتقطع أيضًا . دخلت في صومعتي ثلاثة أيام بعد ما حدث. لا أخرج إلا لتناول بعض الطعام أو استجابة لنداء الطبيعة. وهذه المرة لم تطلب مني أمي أن أترك الباب مفتوحًا. عندها اتخذت قرارًا صعبًا محايدًا ، لن أترك البلد لكنني لن أنصاع لأي شيء يقمع حريتي، وضريبة لذلك طردت من الجامعة لرفضي سياسية عميد فيها المعتمدة على المحاباة والمفاضلة بحسب القبلية والدين. وفسد مشروع خطبتي لأني رفضت الانصياع لطلبات والد العروس التعجيزية. توظفت ككاتب في صحيفة محلية وقدمت استقالتي لأن مقالاتي كانت تخضع لعمليات من الرقابة. وأخيرا قضيت ليلتين في السجن لشجاري مع رجل أمن كان أسلوبه جافًا معيبًا في التحدث معي .

ليلة إفراجي، قالت لي أمي : يبدو أنك لن توفق في هذا البلد يا حبيبي، أعتذر لكم الخبيات التي سببتها لك. سافر، أنت حر .

سافرت، وصنعت جزءًا فقط مما لم أستطع فعله هنا. لأن الدنيا، كل الدنيا لن تصبح تربة خصبة للحرية مادامت تنطوي تحت التسييس والتحكيم من قبل أشخاص يشركون أهوائهم في قيادتهم.

عدت للوطن بعد سنين عدة. حققت ثروة لا بأس بها. ولكن الأهم أني درست حقوق الإنسان وأسست في كل بلد أزوره مقرا لضمان حريات الاقوام الأخرى. زاولت المحاماة فالقضاء. ثم تفرغت للعمل الحر. رشحت للرئاسة بعد حصولي على جنسية. نجحت لكني رفضت المنصب لأن حتى الرئاسة تخضع لقمع الحرية. وكنت أعلم أن العالم لم يكن مستعدًا بعد لأفكار شخص مثلي يرفض القانون الموضوع ليس للإنسان بل لمجرد القانون.

وعندما وصلت للمنزل. سمعت ضحكة أمي من جديد فأزهرت في قلبي الحياة.

قالت لي وهي تحتضنني: يا حبيبي أنت حرية هذه الدنيا التي تمشي على قدمين، أنت الذي سوف تحرر الحرية .

كنت أنا حرية أمي، وكنت إنجازها الذي حلمت به. كنت ودون أن أعلم، صوت ضحكتها .

تمت || 02\12\2012 .

8 thoughts on “صوت ضِحكة–قصة قصيرة .

  1. حرفك جمميل يا بيان
    أول مرة اقرأ لك قصة و اعجبتني
    جدا سلسة و مغزاها رائع
    مستغربة ان توك تنشريها
    و تحمست اقرأ قصصك السابقة

    • شكرًا جدًا ♥♥

      كانت موجودة في المسودات لأني كنت وقتها قد نشرت مجموعة تدوينات متتالية في فترات قريبة فكنت أرغب في نشرها بعد مضي بعد الوقت.. ونسيتها ! هههههه

      سعيدة بوجودكِ ♥

ساهِم في التغيير ، أترك لي ردًا ♥

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s