مُجتمع ذُكوري ؟


مجتمع ذكوري

طبيعة كوننا نعيش في الدولة الوحيدة –حسب معرفتي – التي لا تسمح بقيادة المرأة للسيارة . التي تتّطلُّـب فيها المراجعات الحكومية واللاحكومية من المرأة غالبًا تواجد المحرم معها سواءً خطيًا أو أن يكون مرافقًا لها في حالها وترحالها ، ولكون المرأة لا تزال فيها تناضل من أجل التعليم والوظيفة وكثير من الحقوق ، ونتيجة لعودة بعض التقاليد الجاهلية المختبئة خلف أقنعة الحداثة والقرن الواحد والعشرين لـتكون إمتدادًا لـفكرة وئد البنات بطريقة تليق بالعام ألفين و ثلاثة عشر  . نتجت فكرة عملاقة تتبلور فكرتها حول أن الدولة أو المجتمع مجتمعٌ ذكوري . صار الكل يُغرد ويزغرد بهذه الفكرة التي وإن حاولنا إنكارها فإن فيها الكثير من الصحة . ولست هنا أناقش سياسة الدولة أو أوامر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . إني هُنا أغض البصر عن حقيقة كون الدولة ذكورية أم لا ، وأركز حديثي عن كون الـمجتمع ذكوري . وهنا أتكلم عن تصرفات الأفراد كأفراد , والأسر كأسر ، والبشر مع بعضهم وعلاقاتهم الإجتماعية .

وفكرة أن أتكلم عن الحقائق الإجتماعية مصدرها إيماني القوي بأن أساس صلاح وفساد البلاد هو المجتمع البشري فيه ، والمجتمع البشري فيه يبدأ حقيقةً من الأفراد والأسر ، لتكبر فتكون المجتمعات الصغيرة فالكبيرة . التركيز على تصرفات الأفراد هو المنطلق المنطقي الوحيد الذي يطاله الشخص الذي لا يستطيع المساهمة في تغييرات جذرية دولية . فأنا مثلًا لا أستطيع تغيير الطريقة البدائية التي تتبعها البلديات في تنظيف الشوراع بجعل رجال النظافة يقطعون الأمتار بمكنسة في هذا الجو الخانق ،  ولكنني أستطيع تغيير بشكل أسهل أن اجعل الناس على الأقل لا ترمي في الشوارع بهذا القدر المقرف لأخفف عن هذه الفئة مقدار مشقتهم  . فلو عدنا في حقيقة الأمر ، نظافة الشوارع هو في الواقع مسؤولية الـمجتمع . هناك تغيير ولو بسيط وتطوير يحدث في البلد لكننا نغمض أعيننا عن دورنا فيه لأسباب عدة . ولا أريد الإطالة في المقدمة لئلا أشتت إنتباهكم عن الفكرة الأساسية .

نعود للمسببات لكون المجتمع ذكوري , المسببات قد تكون ابتداءًا أسبابًا متواجدة أساسًا من كون الدولة ذكورية . فمثلًا : قيادة المرأة للسيارة . أنا أرى أن هذه القضية –وإن تنهدتم حاليًا من ذكري لها لأنها مسألة قد شاب شعرنا ونحن نناقشها حتى باتت موضوعًا عقيمًا يضر بالمرارة – تعد محفزًا لحقيقة أن الأسرة تنصاع لـهذا القرار بطريقة تجعلها تربي رِجالها ليصبحوا ذكوريين . وكما ذكرت في الأعلى نحن نغض البصر عن دورنا في حال إبتدأ الأمر من الـجهات العليا منا فنقف مكتوفي الأيدي ونبكي حظنا التعس .  حقيقة كون المسبب الرئيسي لمشكلة موجود ، لا يجعل لنا الحق في إضافة مسببات أخرى لتفاقم المشكلة وندعها تتفاقم ، ثم ننتظر أن يحلها مسببها الأول . وهذا بالضبط مايحدث هنا . لو سلمنا لحقيقة كون الدولة ذكورية ، هذا لا يبرأ المجتمع من كونه يمارس ذات الحقيقة مع نفسه ويلقي بكامل اللوم على الدولة . فتربيتنا جائت ذكروية مع الدولة  .
دعونا نأخذ الأسرة البسيطة  كمثال ، ولنأخذ موقفًا بسيطًا جدًا كرفع الأطباق عن المائدة بعد الإنتهاء من الطعام . غالبًا مايحدث أن تقوم الـبنات في الأسرة برفع جميع الأطباق والتصرف في الباقي من الطعام وما إلى ذلك . في حال يقوم الشباب برفع طبقه فقط مشكورًا ! الأم غالبًا لا تطلب من إبنها الكثير ، دققوا في تصرفات الأمهات غالبًا , يربى الولد منذ صغره على منصبه الذي سيتلقاه ، يدلل بطريقة تربيته على أنه رب الأسرة الجديد – وانا لا أختلف أن هذا شيء مطلوب لكون هذا الطفل سيكبر ليكون أبًا- ولكن الدلال ! الدلال الذي تصبه العائلة دون تركيز على كونه دلال مبالغ فيه على هذا الولد . يجعله يتربى بكونه أفضل وأكثر فائدة للأسرة . فهو الذي سيوصلهم إذا كبروا إلي المكان الذي يشاؤون وهو الذي سيكون يومًا ” محرمًا”  لأمه عند حاجتها لواحد . هو الذي تكون أوامره مجابه حتى يوصل أخته بعد طلب إمتدّ أسبوعًا لمنزل صديقتها ، وربما يلغى إن صادف أن كان قد رتب موعدًا مع أصحابه .

التربية ذكورية أيضًا من الناحية الأخرى يكون بتصغير حاجات الفتاة من قِبل الأهل . فما الحاجة للذهاب للتسوق لفترات طويلة ؟ ما الحاجة لـطلبها ان تتمكن هي وصديقاتها للتجمع أسبوعيًا ؟ بعض التصرفات وإن كانت غير مباشرة تشعر الفتاة أحيانًا بأن حقها مهضوم مقارنه بأشقائها ، فتشعر هي ذاتها بنقص مما يدفعها أن تكون في المستقبل تابعة لهذا الرجل فتربي بناتها بذات الطريقة . عِندما تشعر الأسرة ابنتها أن الزواج هو الحقيقة المحتمة والنهاية السعيدة لحياتها ، فإنها تلقي في عقل هذه الفتاة فكرة تنمو بشكل وحشي لتقضي على بقية طموحها . عندما يقال لها عند كل مشكلة بعد زواجها ” تبين تخربين بيتك ، وماعليه ! ” وعندما لا تجد الدعم من أسرتها لتكمل دراستها بل ربما يطلب منها ألا تكملها لتكون الزوجة الـمثالية  والأم المثالية التي تربي الأطفال وتصنع أشهى الأطباق . هذه كلها مسببات جعلت من الأسر هي سبب كون المجتمع ذكوري .

يجب أن نستوعب حقيقة أننا بتربيتنا للطفل الصغير ” بأنك رجال البيت ، تجي معاي نجيب الـأكل من بره ” وللبنت ” أنت الهادية الحبابة ، قعدي في البيت وانا أجيب لك هدية ” تجعل الفتاة تكبر بطريقة منكسرة ، والفتى بطريقة شامخة فوق المعدل الطبيعي .  يجب أن نربي الطفل منذ صغره أن يحترم أخته ويقدرها وأن حاجتها له  في تدبير أمورها في البلد لا يعني أنها أضعف أو أقل  , فهي ذاتها تنزعج أن تكون معتمدة عليه . أما الطفلة فإن تربيتها تربية بيتية بحتة يجب أن تذهب مع الريح غير مأسوف عليها .  فنحن بهذا الواقع لا يجب أن نشتكي دولة ذكورية في حال أن تربيتنا هي اساسًا التي تصنع مجتمعًا ذكوريًا يساعد على تكوين الدولة بذات القوام .

البدايات عندنا تُنشأ ، والنهايات تنتهي دائمًا بنا . لأننا عندما نربي تربية مثقفة ، ننشأ جيلًا مثقفًا يطلب بالتطوير والتغيير ويفعله . الدولة هي المجتمع ، متى ماصلح حاله بدأ يصلح حالها أيضًا . فلنتحمل مسؤولياتنا بجدية ولا نلقي بها فوق أكتاف الآخرين . لنصنع الفرق ولتكن تربيتنا منصفة لنصنع جيلًا منصفًا ولا نتباكى في المستقبل على الظلم الواقع بيننا . ولنتذكر أن مشكلاتنا تنصب في غالب الحال في باب العادات والتقاليد التي نكرهها ولكن صنعها كان بأيدينا , كل مشاكلنا هي ذاتنا . فما عدو المرأة إلا المرأة , وما عدو الرجل إلا الرجل . وما عدو المجتمع إلا المجتمع .

تم في آخر يومٍ من شهر شوال , 1434هـ .

One thought on “مُجتمع ذُكوري ؟

  1. للأسف لازالت بعض الأفكار الجاهلية موجودة إلى عصرنا هذا .. عصر التطور والسرعة.

    فعلاً.. الفكرة تنغرس منذ نعومة أظفارنا / من داخل المنزل، من الوالدين فالأسرة فالمجتمع فالعالم .. والتغير كذلك، وإذا أنا وأنت لم نغير هذه الفكرة (كمجتمعنا الذكوري) التي بدأت صغيرة وصارت بحجم مجتمع لن يتغير شيء.

    جميل جميل المقال .. أستمتعت وأنا أقرأ.
    فخورة بك ❤

ساهِم في التغيير ، أترك لي ردًا ♥

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s