حافلة || قِصة قصيرة


حَافِلة .

أشَـارتْ سَـاعة المَنبهِ للتَاسِعَة ، فاستيقظت فَزعة !

هَرعتْ لتلملم مَـابَعثرتْه لَيلَة البَارِحة فِي لَحظة غَضبْ كَالمعتاد ، وَ ألقتْ ببَعضها فِي حقِيبَتهِا ، تَنهدتْ بِعمقْ قَبل أنْ تَلفْ حِجابهَا بِعشوائِية غَير مبــالِية بتلكَ الخيوط الحَريريَة التي تتسلل بعفويَة عَلى وَجهها .. ثَوانِي مَضت و أًقفِلَ بَـابَ الشقة.

 . 1 .

حَركتْ رأسها يمنةَ ويُسرَة لِتستمعَ لِبعضِ طَقطقاتِ رَقبتِها ، فَركْت عَينيها النَاعستين بِكفها الجَافَة وَتثآبت .

ألقَت نَظرةَ عَلى الرَاكِبةِ فِي المقعدِ أمَامَها ، راهنَتْ عَلى أنْها فِي الأربَعين ، رغمَ أنْ تِلكَ التَجاعيد تنبأ بأنهَا أكبَر مِن ذّلك ، لِكن – هِي بالذاتْ- موقنَة بأنْ الجَميعَ فِي مَدينتها يَبدو أكَبرَ سِناً .  

بدأت تَنسِجُ حِكايَة لِهذه المرأة ، ، وسَببِ وجودهِا بهذا الشَكلِ المزري فِي هذا الوَقتِ مِن النَهار ، لَربما كان أسمها مَريَم ، هِي مُطَلقَة – لا تَسألوا لِماذا – هِي هَكّذا فَقط !!

حَرمها طَليقها مِن رؤيَةِ طِفليها ،قَد مَرِضَ إحدَاهما البَارحِة وَباتت ليلتها فِي حالةِ يرثى لَها واليَومَ فقطْ سَمحَ لهَا زَوجها بأن تَرى فلذةَ كبدِها فهو يَحتضر!              

بَدت تلكَ الحِكايةَ مأساوية بِالنِسبةِ لهَا وأضفَت لِصَباحِها المَزيدَ مِن المَرارة، حَاولَتْ ألا تشَـاركْ تِلك المَرأة حالَها المؤلم   – الخيالي-، لكِنها فَشِلتْ .

 

. 2 .

أخْيرًا رأفتْ تِلكَ المَرأة بِحالها وَنَزلتْ فِي أول مَحطة توقَفت فِيها الحَافِلة ، صَادفْ أنها قًربَ مَشفى ، بَدأتْ بالتَحليْلِ مجدداً ، وبِتصور كَم المضاضةِ التَي سَتَحسها الأم فَور رؤيتها للصَغير وَكيف أنها لَن تستَطيع تَحمل …

رُؤية تلِكَ الفَتاة الملفِتة ذاتِ الشَعِر المُجعْد الذي تَلونْ بمائة وَ خمسِة دَرجات – لا تسألوا لماذا الخمسَة –، حِكايتها واضِحة بِالنسبةِ لَها ، فَهذهِ الفَتاةْ مَخدوعَة بثلةِ مِن فَتياتِ عمُرها ، مخدوعَة ، متجهة نَحو الهَاوية ، تُفكر الآن بـذلكَ المسمى ” قًصيْ ” الذّي أخبَرها مِراراً بأنه يحبْها كَانتْ تفكِر إن كَانتْ تحبهُ أيْضاً و .. تَوقفتْ عَن تَخيلً هذهِ الحِكايَة، فالكلام فِي الحبْ مهما كَــان ” قِلةُ أدَبْ ” وَهِي لمْ وَلن تَسمح بأن توصف أبداً بذلكْ !

التفتت بِعفوية حَولها .. خَافَتْ أنْ يَكونَ أحد قَد استمع لأفكارها الصَامِتة.. رُبمَا جَاسوسٌ مــا يُخبِرُ  وَالدِها بأن أفكارَها بدأت تَنحرفْ عَن المَـسار الذي رَسمه لَها .. كُله بِفعلِ سَكنها بعيْداً عَنه وَعن أسرَتِها .. فَهي تَعيشْ فَوق التًرابِ لا تَحتهُ  .. مَعهم !

. 3 .

هَل لِي أن أركَبَ بقِرشٍ فَقطْ ؟

جَذبها ذَلكَ الصَوتُ الـلطيف .. استطالت فِي جُلوسِها لِترى ذَلكَ ” القَزم ” يجادِلُ سَـائِقَ الحَـافِلة الغاضبْ

استغربت كَيف لَه أن يَرفض طَلبَ تِلكَ الهالةِ  البريئةِ النورانية و الـ      مضحِكة !.. نعم مضحِكة ..

مِعطفٌ أحمَرٌ قانٍ، وَ حِذاءٌ أزرقْ، مَع قبعةٍ مُنقطةِ ظَريفة..   تَكلمتْ بِصوتٍ جَهوريْ : سأدفًعُ عَنه .. فسمَح له السائق بالدخول على مضض .. تَقدم لها بابتسامة تظهِر الفَراغ بَين أسنانه فِي المقدمة : شُكراً يـا آنِســه ، هَل لِي أن أجلسَ بالقربِ مِنكِ ؟ وَافقت بِسعادة ..فاستمر بالحديث : هَل لِي أن أتحدث معكِ ؟

ضَحِكت قائلةُ: هَل لكَ ألا تقول هَل لي مجدداً ؟ تساءل : وَ هلْ لِي ذلكْ ؟

ضحكِت بِعنف .. ضَحكت وكأنها تفرغ مَا أثقل كاهِلها من هموم بهذه القهقهات التي أفزعت الصغيرَ حتّى قالَ متلعثمًا : هل هل لي أن أغادر المِـ مقعد ؟ وانتقل دون أن ينتظِر مِنها إجابة هذه المرة إلى مِقعدٍ في المقدمة بمقربة مِن سائقِ الحافلةَ المتذمرِ دائمًا: لِم لم أكمل الثانوية ؟

. 4 .

سرعان مَا تحولت تلكَ القهقهة إلى نوبةِ سعالٍ حادة. أدخلت يَدها بعشوائية فِي حقِيبتِها وبدأت فِي البحث عَن مُنقِذها . احتاجت أن تمر على ثلاثةِ جيوبٍ مَلأى قبل أن تَصل لمبخ الـهواء الخاص بمرضى الربوِ فِي الرابِع . عشرة ثوانٍ فقط ، هذا كل ما احتاجتهٌ رأتاها قبلَ أن تَشعُر بالـأكسجين يَملأ شعابها الهوائية مجددًا .

الراكب في الجهة الأخرى من الصف لم يحاول أبدًا أن يخفِ أثرَ الضيق الذي ارتابه من نَوبتِها تلك. أخرجَ مِنديلًا مُعقمًا واستخدمهُ كَكمام وهو يرمقها بنظراتِ اتهام . وكأنها المسؤولة عن أي مرض سيصيبهٌ فِي أي سنة مُقبِلة .

لم تعره أي اهتمام فِي بادئ الأمر ، إلا أنه اطال النظر،فبدأت بالتحليلِ مجددًا ومجددًا . مريضٌ نفسي رُبما ؟ فردٌ مِن ذويْ الدخلِ المحدود يخشى أن أصيبه بمرضٍ عضال ، سيضطر أن يتوسل الصحف لتكتب عنه فتناله رحمة الناس ؟ مصابٌ بوساسِ قهري ؟ مناعة ضعيفة ؟ . اسمه سليم – يالتناقض – ولا تسألوا لماذا لأن هذا ماخطر على بالها لأول مرة – . حالتهُ مُملة بالنسبة لها . فما المشوقُ فِي هندامٍ نظيفِ تعبق منه رائحة المُعقم ، وبنية جسدية حديدية ؟ لا تجدُ أدنى متعة فِي عدم زيارته للمشفى ولو لمرة . أنكَ لن تنعم حتى بإجازة مرضية .  فجأة خطرت ببالها فكرة مثيرة . لم يعرضُ مشفى متنقل صغير نفسه لحافلةِ من الميكروبات والجراثيم المتنقلة ؟ ويح قلبه كيف يفكر ؟ مجددًا ظهر والدها يعنفها: لا تراقبيْ الناس يا، بنت !!

 

. 5 .

كانت قَد سئِمت الحَال ، لِم الناسُ مملون اليَوم ؟ بل حتى حكاياهم تمتلأ بالمرارة رغم هذا هم يـمضون فِي الحياة بعكسها هي . فكّرت ، حكاياها مملة أكثر –ربما-  .

تنهدت قبلَ ان تُقرر ، ستستقيل . سيعنفها والدها ، وستلحق بها والدتها والعبرة تسقط راجية منها ألا تفعل حتى لا تصيبها لعنة الأب – لو كانا على قيد الحياة –  لذا فلا أسف ، ستعمل فِي صحيفة . ستفسخ الخطبة أيضًا فهي كالوظيفة كانت مسبقة الإعداد . هذه المرة ستأسف لأن أمين سيحبط ، لا شيء يعيبه . ترفض الفكرة فحسب ، ربما يتقدم لها بعدَ عام وستوافق ، فقد قال لها مرة أنه متيمٌ بحبها – مهما يكن معنىً الحب-  . ستكمل الماجستير ، وستحصل على الدكتوراة . ستحج هذا العام ، رغم أنها قد حجت أربع مرات ، غير أنها هذه المرة ستكون برغبتها هي ، لن يجبرها والدها على مرافقته . ستنشر الكتابَ الذي تربّع في درجِ مكتبها منذ عام . واخيرًا قررت ستبتسم . فالجانب المُر قد جربته وبقي الآخر .

 

 

مضتْ نصف ساعة حتى أنهت الحافلة وقوفها المتكرر وتوقفتْ فِي محطة الحافلات . نزلَ الجميع ، وانتظرها سائقُ الحافلة كثيرًا قبل أن يصرخ : يــا آنسة ، خلصينا !

تبسمت له : آسفه  . ونَزلت مِن الحافلة .

 

تَمت فِي الرابع عشر من يوليه \ 2012 .

حُييْتُم .

Advertisements

One thought on “حافلة || قِصة قصيرة

ساهِم في التغيير ، أترك لي ردًا ♥

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s