آله طباعة – قصة قصيرة .


تحية طيبة..، 

إني أنبثق ، لذا محكوم عليكم أن تقرأوا كثيرًا في مدونتي هذه الأيام

أحتاج فعلًا نقدكم ، أريد سماع آراء مختلفة 

شكرًا ، استمتعوا

،

آله طباعة – قصة قصيرة .

عقارب الساعة تتحرك وقد اضناها الحنين ، لليمين . وخيوط الصباح ترامت بسؤالٍ بارتياح . أين ماضينا القديم ؟

طبع هذه الجملة وتوقفت أصابعه عن الانتقال بين أزرار آلته للطباعة ، التي راحت تشكي هرمها بأنين وتطلب الرحمة لكن عبثًا ، هي الورقة السابعة التي يطبع عليها ذات الشيء ، يرميها ويغفو .

طرقت الباب ثلاثًا –أولها قوية ، واثنتان سريعتان كصوت أنين عصفور ، هكذا علمها هو – دخلت وهي تتذمر بعد رؤيتها لـنفس العبارة : عزيز الفؤاد يا مُحمد ، تحبس نفسك في صومعتك هذه منذ ولادة الفجر لتكتب لي هذه العبارة التي اتخمت ذاكرتي بها ؟ قم هيّا فأحفادك قاربوا الوصول .

رفع رأسه عن الطاولة ، فرأت آثار النوم على وجهه . زمت شفتيها للحظة وهمت بالكلام غير أنها آثرت الصمت خوفًا على قلب عزيزها الزجاجي . رغم هرمها إلا أن من يراها لا يخالها إلا في الخمسين على عكسه هو الذي سمع مرارًا : كم عمره هذا الحجّي ؟ سيدخل موسوعة جينيس . هيه اذكروا الله .

مدت يدها اليمنى ليمناه وساعدت بالأخرى جسده الهزيل على الوقوف. ألتفتَ لها بنظرة تعرفها هي بالذات فتبسمت بحزم : لا عصا تمسك بها ، ولا كرسي تجلس عليه . لن تتخلص مني ، أعدك .

أخذته عنوة للخارج، جلست أمامه بخفة بعد أن توسل لها أن تدعه يجلس فقدماه لا تتحملان رغم هزل جسمه. سألت : مُحمد ، عصير برتقال طازج مع ماذا ستشربه ؟ كعك محلى ؟ أم كالعادة رغيف خبز من تنور الحاج ؟

لم ينظر في عينيها مطلقًا لأنه يعلم ماذا سيواجه ولم ينبس بحرف فحنجرته لا تتحمل طول النقاش، آثر الصمت هذه المرة . فَزعت : محمد مالك هذا الصباح ! لم لا تتكلم معي وتشاجرني ككل يوم ؟ سأتصل بابنك سعيد ، قال لي لربما تثير أدويتك الجديدة بعض الآثار الجانبية , لكني أقسم لم يذكر شيئًا كهذا وإلا ماطلبت منك أن تداوم عليها . هذه المرة هي من ألصقت عينيها بعينيه وهمست قبل أن تنتقل لشاشة جهازها: آسفة.

لم يتمنى هذا الألم لها ولن يتمناه فنطق أخيرًا بصوت مبحوح : لاشيء يسوئني ، اطمئني .

مضت نصف ساعة وهو يحاول أن يحدثها بألا تبكي بيد أنه فشل تمامًا . مضى من الوقت الكثير حتى توقالدمع.ت له – كاد يقسم أنها المرة الأولى التي يرى فيها الـخمس والستين سنة تفضحهها – قبل أن تتكلم قال : أعلم أعلم . تنهدت هي وبدأت تكفكف بقايا الدمع . بينما حمل هو نفسه دون مساعدة لأول مرة ودخل صومعته مجددًا.

دخلت عليه بعد ساعة أو يزيد جلست بقربه على الحصير : عزيز الروحِ مُحمد مابالك اليوم ؟

همس : يا أم سعيد ، لم يبقَ في العمر بقدر مامضى .

ردت بحدة وكأنه اساء لشبابها الضائع : نادني لُبني . مُحمد ألم تمل من حبسك نفسك في الماضي ؟ عزيزي أنطلق للحياة . تبسم:احفادك هناك يتراهنون يوميًا من يستطيع أن يضحك جدنا مُحمد.

تبسم : دعيهم يلعبون من ذا يقدر أن يرى تقطيب لُبنى ؟ أنا فقط رأيت ذلك مرة . أو من يفوز بقلب لُبنى ؟ أنا فقط فزت .

تفاجأت من انطلاقه في الكلام هذه المرة ولكن خجلًا اعتراها وكأنها عادت 50 سنة للوراء تذكرت أولى أيام زواجها لما قرر السفر فجعلت من ذلك قضية القرية : كفّ عن هذا . اطردت : ويح قلبي رغم أني أحاول منذ سنين أن أحافظ على مابقي من عنفوان شبابي لكنك فقط من تستطيع أن تجعل قلبي يزهر .

همس ودمعة تترقرق في عينيه وتعانده هاربة: قلت أقولها الآن خوفًا من طي السنين ، فحصاد الأرواح يدور يا لُبنى .

مسحت دموعه كما كانت تفعل دائمًا بأكف مرتجفة : أوتعلم شيئًا من القدر وتخفيه عني ؟ يا مُحمد حرام عليك أن تحبس نفسك في هذا المتحف منتظرًا أن.. أن.. –ازدردت ريقها وقالت بهمس خوفًا من الكلمة – تموت .

سأل : أو تخافين الموت ؟

أجابت : أخاف الفراق .

قال: لم لم تخافي بعد أن فارقنا الماضي يا لُبنى ؟ لم لم تخافي من هذا الزمن ؟ لم تحاولين دائمًا أن تعودي للخلف ؟

أجابت بحده : بل أنا أرفض أن اقبع في ذات المكان . لم أعهدك بهذا اليأس .

إلتفت : لن تحتاجي أن تتعودي على ذلك ، فالفراق قريب ولم يبق من العمر بقدر مامضى .

تنهدت بقلة صبر وقبلته بين عينيه قبل أن تترك المكان وهذي تتذمر بطريقتها التي اعتادها : رغم هذا أحبك ، أيها الكهل .

تبسم .

استيقظ مع بزوغ الفجر وجلس في صومعته أمام آلته للكتابة غير أنه سمع صوت الخادمة وهي تصرخ بجزع وتبكي: ماما لُبنى !

قام هذه المرة وجلس لأول مرة أمام جهاز الحاسب الذي اشترته لُبنى له قبل عام وأوصت الخادمة في كل صباح أن تقوم بتشغيله وفتح برنامج للكتابة له.

كتب بعد أن استغرق طويلًا حتى يجد الحروف ودمعة تتسلل من عينه:

عقارب الساعة تتحرك وقد أضناها الحنين، لليمين. وخيوط الصباح ترامت بسؤالٍ بارتياح . أين ماضينا القديم ؟ أين ذهبت لبنتي ؟ وتمت .

،

تمّت

بيانة علي

8july2012

Advertisements

6 thoughts on “آله طباعة – قصة قصيرة .

  1. ماشاء الله عليك ابدعتي في تسلسل الاحداث جميلة هذة القصة رغم الأحزان التي تغلفها.
    أعلم انه سؤال لا علاقة له بالقصة لكن كيف تبدعين في نسج خيوط القصة هل هناك مايلهمك او انها مجرد خيال؟
    احببتها …. استمري فقد يكون لك كتاباً يحمل اسمك = )

    • شيري أهلًا بالجميلة التي دائمًا تدخل الفرح على قلبي بوجودها ؛) 3>
      شكرًا أسعدتني وأخجلتني ، وشرف أن تنال ذائقتك .
      بصراحة غالبًا عندما أكتب القصص تكون عفوية ، أي ان الفكرة تختارني على حين غرة مني فأكتب . لكن هذه بالذات كان لها مُلهِم ، إنها قصيدة ( ذكريات شيخين ) للشاعِر الكبير (البردوني ) ، وخاصة بيتين هُما :
      أمسنا ، كان كريما معدمــــــا – وزمان اليوم ، أغنى وأشح
      كلّ شيء صار ذا وجهين ، لا – شيء يدري ، أين وجهه أصح ؟
      ،
      قصيدة جدًا جميلة ، وألهمتني بطريقة ما فكتبت هذه القصة * ظريف أن اسأل هذا السؤال في القصة الوحيدة التي أستلهمتها مِن مكان ما ؛) *
      ،
      سعيدة بوجودكِ وبتشجيعكِ ، حقق ربي أمانيكِ وكتب لكِ في كل يوم توفيقًا ، سعادةً ، وَفرح ♥

    • شكرًا كبيرة ، بل عملاقة لكِ بيان ؛)
      سعيدة بوجودكِ في مدونتي ورؤيتكِ هاهنا أكثر مِن مرة ، بيد أنكِ قد أعجبتي بـالقصة . فعلًا أدخلتي على قلبي الفَرح :)
      شكرًا لكِ كثيرًا كثيرًا ، حقق ربي أمانيكِ وكتب لكِ كل التوفيق والفرح ♥

ساهِم في التغيير ، أترك لي ردًا ♥

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s