قولبة الجمال


 

بسم الله الرحمن الرحيم

تحية طيبة؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يا الله وشكثر

جراء التفجر المعلوماتي الضخم، واجتماع العالم كله في برنامج واحد وحيث يصبح الشخص موجودًا على جهاز كل بشري على وجه الكرة الأرضية –وأجهزة المخلوقات الفضائية ربما-؛ أصبح من السهل جدًا عولمة الأمور وقولبتها. صار من الشائع وجود معايير معينة للشخص الناجح، ومعايير للشخص السعيد، أخرى للشخص الإيجابي الاجتماعي وأخرى للمنطوي. فالناجح: يجب أن يكون ذو وظيفة مرموقة توفر له حياة كريمة، أسرة سعيدة مكونة من زوجة ناجحة جميلة متعاونة، أطفال مهذبين مثقفين، منزل كبير، قدر من المال، ذو صلات اجتماعية واسعة، وصاحب هواية مدهشة. واو!

وهذا مجددًا قد يعزو إلى حاجتنا للتصنيف كمتلقين؛ – هذا شخص ناجح يمين، شخص فاشل يسار- ليساعدنا هذا في اتخاذ قراراتنا، وتحديد مشاعرنا اتجاه هذا الشخص. حيث أن الانسان مخلوق معقد وعميق، نحتاج لصورة نمطية لكل شخص في عقلنا حتى نتعامل معه بشكل أسهل وأسرع. (كم شخص منكم يكره أن يتلقى معروفًا من شخص لا يحبه؟ لم؟ لأنه عندما يقدم لك معروفًا يجعل صورته في عقلك رمادية، هذا الفعل الجيد بعثر الصورة السوداء. أنت الآن لا تعرف هل يجب أن تكرهه أو تحبه؟ على أي أساس تتصرف معه؟) وكـأفراد من الجهة المقابلة لنسهل علينا طريق الوصول. لكي أصبح شخصية ناجحة يجب أن أقوم بـ كيت وكيت وكيت. لو أنهيت هذي النقاط السبعة جميعها فأنا شخص ناجح وإلا ما النجاح؟

وكشيء طبيعي جدًا كان للجمال من التنميط والقولبة نصيب الأسد. فالبشر يتفننون في قولبة الجمال بحرفية عالية. ورغم أن الجمال نسبي بشكل كبير فما تجده باذخًا في الجمال قد يجده البعض قبيحًا وهذا طبيعي. فذائقتنا تعتمد على بيئتنا الجغرافية والإجتماعية، عاداتنا وتقاليدنا، ثقافتنا الدينية، اطلاعاتنا الشخصية، …. الخ. وقد تلحظون هذا في اللوح الفنية القديمة أو الصور الفوتوغرافية من مختلف البلدان حيث تُصور الجمال بشكل مختلف تمامًا عما نعيشه اليوم. لكن مع وجود شبكة الانترنت حاليًا ووسائل الإعلام التقليدية قديمًا (التلفاز، الصحف، والمجلات) صار تعليب الجمال سهلًا جدًا فأصبح الجميع نسخة من الآخر.

بدأ مفهوم قولبة الجمال في عقلي يتكون في سنتني الثانية في الجامعة، كنت أجلس مع مجموعة من الفتيات حيث كن يتحدثن عن شاب من محيطنا الاجتماعي القريب حيث يعمل في الاعلانات كعارض. لم أكن أعرفه، بيد أنهن كن يتحدثن عن كونه قد ارتبط بفتاة من عائلته وكان تعليقهم:” يقولون أنه أحلى من خطيبته بواجد” استفزني الموضوع قليلًا؛ بأي حق يحكم أي شخص على أشخاص من أشكالهم، ومن نكون لنقيم مظاهر الأفراد ونصنفهم تحت عناوين : جميل، قبيح! الطريف أنني اكتشفت لاحقًا أنني أعرف خطيبته شخصيًا، والتي بالمناسبة في نظري –حقيقةً لا من أجل النشر- جميلة جدًا ما شاء الله!

نمت الفكرة في عقلي وصرت ألحظ تعليقات الناس بشكل أكثر عمقًا، اقرأ الاعلانات وأشاهد المحتوى بشكل أكثر دقة؛ حيث اكتشفت كيف أننا وبسخافة نمارس التنمر يوميًا ونعطي لأنفسنا حق التعبير في أمور لا دخل لنا فيها. وخلال التدوينة سأعرض بعض صور قولبة الجمال كفواصل جمعتها فقط فقط خلال 3 أيام من تصفحي للإنترنت. سأمحو أي معلومات تتعلق بأي شخص له علاقة بالمحتوى من باب أن المقصد فقط أن نرى كيف تأثرنا جميعًا بهذا المفهوم. ولا أعني به ابدًا الاساءة، التشهير بأي شخص وجماعات. وحيث حقوقهم محفوظة لحديثهم فلا أنسب أيها لنفسي.

ما الأمر الذي جعلني أقرر أن أتكلم –بالإضافة لكوني أحب الثرثرة بصوتٍ عال-؟ هو مقرر “مدخل في علم تقويم الأسنان” حيث درسته في السنة المنصرمة للمرة الأولى. وفيه أخبرنا الاستاذ أن حسب بعض الاحصائيات: يملك فقط 30% من الناس –عالميًا- ما يسمى بإطباقه الاسنان المثالية الطبيعية. وأذكر أني التفت لصديقتي هامسة: إذا 70% منا مختلفين على أي اساس قالوا الـ30% طبيعية؟ وخلال السنة بطولها في هذا المقرر -خصوصًا- وغيره كنا دائمًا نتكلم عن “شكل” ابتسامة الشخص وشكل فكه وتأثير ذلك على حالته الاجتماعية والشخصية وأن من يعاني من كيت تجده غالبًا خجولًا ولا يحب الحديث، ومن يعاني من كيت يسعى دائمًا لطلب ذاك الأمر “ليصحح” من مظهره. وطبعًا درسنا الكثير الكثير فيما يتعلق بتجميل الابتسامة بدءًا بالتبييض، وانتهاءً بالعمليات الجراحية. وهذا الكم الهائل من العلم صار يخدم بالاضافة إلى كونه لمعالجة الامراض والوقاية منها؛ التجميل –حسب المعايير الموجودة في كل منطقة ومكان-. ابتسامة هوليوود، تقويم الأسنان، سد الفراغات، عمليات الفك، وغيرها. وهذا منطقي في كل عمل، وتجارة أن تلبي حاجات المجتمع الذي يصنعها المجتمع ويروج لها الإعلام.

image

ماذا أقصد بقولبة الجمال\أو تنميطه؟

وضع معايير محددة للجمال مما يجعل الأفراد تحت ضغط اجتماعي مزيف يؤثر على حياتهم وقراراتهم. وصدقوني أني لا أبالغ حيث سمعت وعرفت عن أشخاص شخصيًا يستخدمون مكواة الشعر يوميًا على شعور بناتهم –أصغر من 12 سنة- لأن الأم بدأت المبادرة في المناسبات الكبيرة حتى صارت البنت لا تشعر بالثقة ولا أنها جميلة إن لم تفرد شعرها المجعد. فتاة ذات بشرة فاتحة اللون علمتها والدتها أن تستخدم كريم تبييض بشكل مستمر حتى تضمن عدم تغير لون بشرتها الجميل. طفلة تسمع “ أنتِ مشعرة” وأخرى تضطر تجرب الحلاوة المؤلمة عشان تنزع شعر جسمها وتصير “جميلة”. بعض الفتيات الصغيرات في سن المراهقة يتبادلن الطرق والوصفات الغريبة من أجل تنعيم الشعر  وازالة حب الشباب، تبييض البشرة، وتنحيف الخصر. سؤال: ماهو الجيل الذي نربيه ونحن نزعزع ثقته بشكله الطبيعي ونضع عليه الضغوطات المزيفة هذي التي يضطر ليتحملها حتى يحصل على استحسان الآخرين؟ حقيقةً من نتوقع من هذ الجيل؟ كيف نتخيل أن يصبح؟ نحن ندمر الجيل الحالي بهذه القولبة. كيف صارت القولبة جزءًا منا؟ وأقول جزءًا منا لأن الموضوع صار طبيعيًا؛ طبّعنا القولبة حتى صرنا لا نُدرك أثرها العميق فالأهل لا يستقصدون زعزعة أطفالهم بذلك، بل أحيانًا العكس يعتقدون أنهم يحمونهم من سلاطة ألسنة الناس.

ما الذي طبّع القولبة؟

1- الأعلام : وهم الحقيقة

image

أقوى مؤثر في العالم حاليًا هو الاعلام بجميع صوره ووسائله. نحن نستقبل المئات والمئات من المعلومات يوميًا. وعندما تتشبع بالصورة النمطية لشيء ما، تبدأ في تقبلها كحقيقة. وبالضبط كما المثل الشعبي الشائع بنسخته اللطيفة “التكرار يعلم الشطّار” أثبتت الدراسات أن تعرضك لمعلومة ما بغض النظر عن صحتها يجعلها أكثر قابلية لتقبلها كحقيقة. وتكرارها مرارًا يجعلها تبدو أكثر مصداقيةً بالنسبة لك بالمقارنة مع قريناتها.

ظهر هذا المفهوم منذ 1977 في دراسة كانت نتيجتها أن الناس عند تعرضها لمجموعة كبيرة من المعلومات التي تجهلها فهي تصدق المعلومات التي قامت بالتعرض لها بشكل أكبر. دراسة أحدث في 2015 أثبتت أنك وإن كنت تعلم المعلومة الصحيحة فإنك تحت تأثير التكرار قد تصدق المعلومة الخاطئة. هذا المفهوم يسمى Illusory truth effect- أو وهم الحقيقة لو صحت ترجمتي. مدهش ومخيف صحيح؟ تخيلوا كيف يمكن للإعلام أن يُشكل ويقولب مفاهيمكم –نظرية المؤامرة؟ هههه!- كمثال بسيط: لو رأيت 5 اعلانات في اليوم لشركة صابون معينة، ثم توجهت للمتجر لتشتري صابون فرأيت 5 أنواع لم تعتد على استخدامها واحد منهم هو ذاك الصابون الذي ظهر في الاعلان. أنت ستختار هذا الصابون لأنه الأقل “غرابة”.

هكذا هي المفاهيم الجمالية، نحن نتلقى الجرعات ببطء. هل تتوقعون الشباب الذين يطلبون أن تبحث لهم والدتهم عن  خطيبة “بيضا وطويلة ونحيفة” جاء من فراغ؟ الإعلام. عارضات الإعلانات، الممثلات الأجنبيات، الخ. أيضًا الفتيات عندما تغطي كل حبة شباب في وجهها وكل إلتهاب بسيط أحمر بطبقات من مساحيق التجميل، لم؟ الاعلانات التجارية التي تحارب الحبوب لتحصلي على بشرة صافية كالحرير، اعلانات مساحيق التجميل المتعددة والتي تضمن لك مظهرًا “طبيعيًا” وبكفاءة اخفاء عالية، دروس المكياج التي تقدمها الشركات وخبيرات المكياج في تحويل المظهر. تخيلوا كمية المعايير في الاعلام. كريمات تفتيح بشرة –وربما عند غرب الكرة الارضية فنجد اعلانات تسمير البشرة-، كريمات اخفاء الهالات والتجاعيد وشيب الشعر وكأنها ليست جزء من عمر الإنسان وحياته وخبراته، زيوت الشعر التي تجعله ينساب كالحرير، الرموش الكثيفة، الشفاه الممتلئة. الإعلانات كلها تصنع حقائق مزيفة.

image

وحاليًا البرامج المتخصصة في نقد “شكل” الفنانين والفنانات في المناسبات والاحتفالات كالأوسكار وغيرها. فتجلس مجموعة لتنقد الممثلين والممثلات/ تسريحة الشعر وكمية المكياج، وكيف أن الفستان لا يناسبها ولا يناسب المناسبة، كيف تكلفت أو كانت بسيطة، كيف أنه ربطة عنقه مضحكة أو ذاك يبدو فاتنًا بغض النظر عما يلبسه. هذه البرامج تعطي حق الطعن في الشخصيات المشهورة وكأنهم موجودون ليرضون ذائقة الناس؛ وأساسًا مو أهم اللي عرضوا أنفسهم للإعلام؟ عادي أجل يستاهلون!. وبالطبع نحن نرى هذا النقد اللاذع للممثلات اللاتي يحصلن على عناية على يد أشهر وأمهر خبراء التجميل، فكيف بك وأنت في بيتك بميزانيتك المحدودة؟

الأفلام والتنميط. عدد الأفلام والبرامج المرتبطة بفتاة لا تهتم بشكلها أو أنها قبيحة ثم تتحول إلى جميلة كبير جدًا! وغالبًا ما يرتبط تغيرها إلى الأجمل مع استحسان المجتمع أو تطور حالتها الاجتماعية والوظيفية. أساسًا لو قمتم بالبحث عن صور قبل وبعد بأي لغة ستجدون أن صور قبل –غالبًا- مرتبطة بـحب الشباب، شعر مجعد، سمنة، أو نحافة شديدة، أو غالبًا دون مكياج. فدائمًا ارتبطت صور (قبل) كصورة سلبية فأي فتاة\فتى مصابون بحب شباب في وجههم ويرون صورة قبل بحب شباب وبعد بدونه –سواء نتيجة لعلاج ما أو تجميل-  سيشعرون بأن حالتهم يجب أن تتغير، لتبدو أفضل!

image

وبمناسبة الحديث عن ذلك، هنالك امرأة ما قررت أن تعكس المعادلة فنشرت على الفيس بوك صورة لقبل وبعد لها ولكن بصورة مختلفة عما يتصوره الناس، كانت حالتها (قبل) هي “الاجمل” في نظر المجتمع، حيث تظهر في صورة (بعد) آثار الأمومة وتعبها وإرهاقها. دونت مشاعرها اتجاه نفسها وكيف أنها تتقبل نفسها كما هي وأنها في صورتها الحالية هي أفضل نسخة موجودة منها، وأن حياتها هي شكلها هذا. كانت سبب إلهام للكثير، وتعرضت في ذات الوقت لتنمر كبير.

نحن نشاهد الإعلانات، نرى المقالات، نشاهد الدروس في كيف تبدو الطويلة أقصر والقصيرة أطول، كيف يبدو أنفك أنحف ووجنتاكٍ أكثر امتلائًا، دروس لنحت الجسد والوجه، دروس للملابس المناسبة للجسد الكمثرى لتبدو الساقان أنحف وغيرها للتفاحة والموزة والعنب والتوت، ما النظارة المناسبة للوجه المربع ليبدو أقل حدة والدائري ليبدو أقل استداره، ما قصة الشعر التي تناسب الشعر الخفيف ليبدو أكثف، والكثيف لكي لا يبدو منكوشَا. كيف تزيدين سمرة بشرتك كقبلة الشمس، وكيف تخففين سمرة يدك. كيف تخفين هالاتك لتبدين مشرقة أكثر، كيف تضعين مساحيق التجميل بطريقة –مكياج-البدون-مكياج- لكي تكوني جميلة بالطبيعة. الانترنت يزخر بالنصائح التي تشعرك بأن شكلك الحالي ليس هو الصحيح، ويجب أن تصححي كل شيء و”تخفي العيوب”. هذا كله مو قولبة للجمال؟

image

2- المقارنة، ضغط الأقران، ونظرية القطيع

وبالإضافة للإعلام ومع الضغوط الاجتماعية التي وإن حاولنا مقاومتها ففي النهاية ستؤثر علينا بشكل أو بآخر حتى ولو كان من باب “خلاص فكونا، شتبون؟”. وكما يقول العالم هاملتون في نظرية القطيع؛ فالناس الأقل مركزًا دائمًا ما يعمدون لسلك سلوكيات من هم أعلى منهم مركزًا أو الأكثر عددًا. وبما أن الناس الذين يظهرهم الإعلام دائمًا ما يظهرون بصورة تقريبًا واحدة، أو أن المجتمع له عادةً سلوك واحد شائع فيجد الفرد أحيانًا نفسه منساقًا لذات التفكير والسلوك. من الصعب أن تظهر مختلفًا وهذا أمر طبيعي، المشكلة عندما يكون السائد خطأ من يبدأ؟ حقيقةً ألهمتني مغنية مشهورة أجنبية لم أعرفها قبل ذلك لكنها لفتت انتباهي في مقطع في أحد البرامج لأنها لم تكن تضع أي مساحيق تجميل على وجهها وكان شعرها طبيعيًا جدًا –شعرها مجعد-. بحثت عنها فوجدتها فعلًا تظهر دائمًا دون مساحيق تجميل. ايضًا كما اشتهر ستيف جوبز بأنه يحب البساطة في ملابسه عند ظهوره، كذلك يرتدي الموسيقي ياني ذات الطابع، وأيضًا سامي يوسف. من لا يتقيد بمعايير الاعلام موجودون، لكنهم قلة!

ما نتائج قولبة الجمال؟

زعزعة الثقة، والتنمر

الكثير والكثير من الناس المدمرون نفسيًا، المنطوون إجتماعيًا بسبب مظهرهم الخارجي والذين يظهرون في كل مكان في وسائل الإعلام، في قصص العيادات، وفي قصص الإنتحار، الذين يعرضون في برامج “تغيير الحياة” التي تعرض في ذات القنوات التلفزيونية التي تقولب الجمال. كلهم جاؤوا ضحية لـهذا الفراغ التافهة حيث الأشكال هي محط الاهتمام والانظار، حيث يحق للجميع دون استثناء أن يحكم عليك، على لون جلدك، وشكل شعرك، وزركشة ملابسك. الجيل الجديد الذي يحاول بقسوة أن يتقبل نفسه ويحارب الجميع لكي يظهر بطبيعته أو أن “يجملها” لم يكن يحتاج هذا الجهد كله لو لم يكن للجمال صورة واحدة ولون واحد. مقاطع اليوتيوب كثيرة جدًا لأشخاص يتكلمون فيها عن عمليات التجميل التي قاموا بها لأنهم كانوا يكرهون أشكالهم، وأغلبهم كان يبكي وهو يتحدث، لم؟ لأنهم ضحية تنمر المجتمع.

وهنا السيئة الأخرى التي نعاني منها بسبب تنميطنا للجمال. التنمر على أرض الواقع وفي الانترنت حيث يرسل من يريد ما يريد لأي شخص في العالم وهو مستلقي على سريره حيث ينام بعد خمس دقائق وضحيته قد تبكي أيامًا بسبب حديثه. التنمر يأتي حتى من الأطفال على بعضهم البعض، أتذكر عندما كانت ابنة اختي في الروضة حيث تسمع البعض يقول “شعر فلانة مو حلو” فتحكي لي، فأجلس معها لأصحح هذا المفهوم. الأطفال منذ طفولتهم يمارسون التنمر ولو لم يستوعبوا الفكرة فسيكبرون ليصبحوا مثل الجبناء الذين يعلقون ببلاهة على أشكال الناس في الانترنت. ذات الامرأة التي نشرت صورة “قبل وبعد بالمقلوب” تلقت الكثير من تعلقات التنمر: اقتلي نفسك، زوجك ابله لو بقي معك وانتٍ بهذا الشكل، بقرة سمينة،…الخ! كيف وصلنا لهذا الحد؟ قصص الانتحار من المراهقين بسبب تنمر على أشكالهم، كيف جاءت؟ تعرضهم للاكتئاب والعزلة ورغبتهم في الهرب أو تغيير أشكالهم؟ كل هذا نتيجة لماذا؟

ليزي فيلاسكيز تعاني من مرض نادر ، قد وجدت في مراهقتها فيديو فيه صور لها على شبكة الانترنت عُنون “أقبح امرأة في العالم” حيث يسخر من شكلها وكانت التعليقات تحرضها للانتحار بسبب شكلها “الغريب”. ليزي استطاعت أن تقاوم التنمر، وتفرض نفسها على المجتمع حيث صارت كاتبة، ومتحدثة ملهمة. بعد 10 سنين هي الآن من أكثر الناس تأثيرًا على المجتمع. لكن؛ دعونا نتكلم بصراحة، ليس الجميع بقوة ليزي، ومن الأساس يفترض ألا يحتاج الناس لقوة هائلة وعزيمة قوية من أجل أبسط حقوقها وهي أن تظهر بشكلها كما تريد متى ماتريد بدون حكم أو ضغوطات من المجتمع.

image

شخصيًا

ولدت طفلة سمينة؛ حتى أن قسم الملاحظات في شهادة تطعيماتي كانت تحوي عبارة “big baby/طفل كبير”. والدتي تقول أني كنت “اهجي” وهذي كلمة في لهجتنا تعني -في هذا السياق تقريبًا- أن النتيجة النهائية تساوي المجهود الذي بُذل.

كنت في فترة الطفولة وحتى قُبيل المراهقة أميل لكوني صاحبة وزن زائد؛ حتى أن والدتي كانت تراقب طعامي جيدًا -لأن الجبنة السائلة المليئة بالدهون كانت وجبتي “الخفيفة” المفضلة- وتحرص على أن أمشي معها ووالدي في الليل حول الحي.

كبرت وتجاوت هذه المرحلة والتي لم أكن حقيقًة استشعر فيها أني في مشكلة. في فترة المراهقة كان لي حاجبان كثيفان -وبالرجوع للصور لم يكونا بتلك الكثافة بيد أن الموضة في ذلك الوقت كانت الأرفع؛ الأجمل– ولم أكن اشعر مجددًا أنها مشكلة لأن والدتي كانت تخبرني أني لست بحاجة لأي تدخل لتحسين شكلهما. حتى حدثتني زميلة في الفصل لا تجمعني معها علاقة قريبة أبدًا: بيان أنا اعرف ان النمص حرام، بس أتوقع في بعض الحالات لو كان الأمر يستحق مثلك يصير جائز. هذي كان صفعة في وقتها. كانت أحيانًا تصلني بعض التعليقات من هنا وهناك بطرق لطيفة جدًا أو كمزحة سخيفة. مجددًا ورغم أني جُرحت إلا أنني لم أكن أعتقد بثقل المشكلة لأن والدتي تخبرني مجددًا أني لست بحاجة لأي تدخل.

أول سنة جامعة كانت سنة حرجة؛ مرحلة جديدة، مختلف الشخصيات من مختلف الطبقات، ومختلف الأوان والأشكال. لم أكن بذلك التعمق في عالم المكياج ولم ابدأ بذلك حتى دخلت الجامعة وابحرت في عالم اليوتيوب فكنت أقضي الساعات والساعات في متابعة مراجعة عدة شخصيات على ماركات المكياج والمقارنة بينهن. وصرت شيئًا فشيئًا أكون مجموعتي الكبيرة من ادوات الزينة. وصرت أستمتع في وضع المكياج وصرت أتعلم كيف أنحت وجهي وأصغر وأكبر وأجرب. استمر ذلك كله لمدة سنتين فكنت اضع المكياج في الجامعة بشكل شبه يومي -لم أكن ولن أكن يومًا ممن يضع الكثير فحتى في ذروة اهتمامي بالمكياج كان هدفي الأول اخفاء الهالات والحبوب والاحمرار-، الهدف أن يظهر شكلي “طبيعي” …….وبعدها توقفت. شعرت أني أركض وراء سراب وشعرت أني لن أتوقف. وبدأت استوعب مفهوم الجمال. في سنتي المنصرمة توقفت عن وضع أي شيء تجميلي على وجهي في الجامعة فكنت أذهب بوجهي سواءً كان صافيًا أم مليئًا يالحبوب التي تظهر في وقت التوتر. حتى أن إحدى الاساتذة والمعروفة بصرامتها الشديدة سألتني متعجبة: ماذا حدث لوجهك؟ حيث كان وقت اختبارات وظهر في وجهي مايظهر من حبوب، ضحكت وقلت لا شيء، توتر! حاليًا اظهر في مناسبات اجتماعية دون أن أخفي “عيوبي” من هالات وحبوب لأني حقيقة أحيانًا أعلم أنني أريد معالجتها وأن وضع المزيد من المواد الكميائية عليها لأخفيها سيزيد الوضع سوءًا، وهذه الساعات القصيرة التي سأقضيها مع الناس لأبدو “أجمل” لا تستحق الكم المضاعف من العناية الذي سأقوم به بعد أن أعود للمنزل. في العيد المنصرم لبست شيئًا لم يعجب أمي ولا أختي بعد استشارتهما قبل شراءه، لكنني أحببته فلبسته، –وأعجبهم في النهاية ههاي!- لأني  الآن آكل ما يعجبني وألبس ما يعجبني ايضًا. أنا أضع المكياج عندما أرغب بذلك، ولا أفعل عندما لا أشعر أنني أريد. صرت أسمع صوتي أنا مو صوت الناس. حاليًا أنا متصالحة جدًا مع نفسي لأني ناضجة.

image

لكن ما الذي جعلني طوال فترة طفولتي\مراهقتي متصالحة مع نفسي رغم تعرضي لتعليقات على وزني وشكلي احيانًا؟ أحد أقوى الأسباب: دعم الأسرة، الوالدة حفظها الله كانت ولا زالت دائمًا تشعرنا بأننا الأفضل، لم تزعزع يومًا ثقتي بنفسي، فحتى لما حاولت معي أن أخفف من وزني وقت الطفولة كان من أجل أن اكون بصحة أفضل، لم تشعرني بأن “شكلي” غير جميل. لم تكن تسمح لأحد لأن يعلق على شكلي بتعليق سيء، وكانت دائمًا ما تمتص كل تعليق أسمعه لتبدله بأشياء اخرى مذهلة عني. الاسرة هي المفتاح الأول.

أتذكر أني في الصف الثالث حصلت على “سن فضي” وهو عبارة عن تلبيسة على السن اللبني عند تعرضه لتسوس كبير وبعد حشوه. فكانت والدتي قد أفهتني أنه شيء مميز، فكنت أتفاخر به على صديقاتي ( عندي سن من الفضة!) عندما أضحك ويسألونني “ماهذا”. حاليًا وعندما كنت أعالج في عيادة الأطفال؛ أحتاج أن أقنع الأم والاطفال لمدة طويلة جدًا جدًا بالتلبيسة الفضية، لأنهم عادةً يعارضون “شكله لكن يا دكتورة مو حلو”! والتعليق يأتي من الأم قبل الطفل يا جماعة!

 

الرسالة

تنهيدة، أن نتوقف!

نتوقف عن تنميط الجمال، وقولبته. نتوقف عن الاهتمام بآراء الناس كثيرًا حتى ننسى رأينا. نتوقف عن أطلاق الآراء التي لا فائدة منها سوى التدمير!

دعوا الناس تمارس الرياضة لتكون أصح، لا لتكون “أجمل”. دعوا الناس تضع مساحيق التجميل لأنها تريد ذلك ،لا لأنكم لا تريدون رؤية حب شبابها أو ضيق عينيها. دعوا الناس يتنفسون وأن يخرجون من منازلهم دون أن يقلقوا يشأن رأيكم في شكلهم كيف يبدو.

ادعموا أطفالكم، أرشدوهم وعززوا ثقتهم بأنفسهم، أمدحوهم ولا تدخلوهم في هذه الشبكة العملاقة النتنة.

تقبلوا أنفسكم، ركزوا عليها، تعايشوا معها وتصالحوا.

عيشوا وخلو الناس تعيش!

image

 

تحية

بيان علي.

 

تنويه:

– كتبت غالبًا عن المشاكل التي تتعلق بالفتيات كوني فتاة، وأهل مكة أدرى بشعابها. لكن الرسالة للجميع.

– طبعًا الصحة، والنظافة لا جدال فيهما. المقصد في التدوينة التغيرات التي جاءت اثر ضغوطات المجتمع.

– لا أحارب المكياج ولا النحافة ولا تمليس الشعر. أنا أحارب أن يكون دافع الشخص هو نظرة المجتمع. ضعوا المكياج، انحفوا، ملسوا شعركم.. عشانكم أنتوا مو عشان أحد ثاني.

– شاركوا التدوينة لو تعتقدون أنها رسالة مهمة تحتاج توصل لأكبر عدد. أنا أعتقد بهذا. واستخدموا هاشتاق #قولبة_الجمال لنشر أفكاركم!

Advertisements

ماما نسوية


بسم الله الرحمن الرحيم

تحية طيبة؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تقبل الله اعمالنا وأعمالكم


في الفترة الأخيرة بدأت ألاحظ ميلي لحياة الجيل السابق. أعتقد -كما الكثير- في كثير من الأحيان أن كبار السن ذوي بعد نظر واصحاب حنكة وإن لم يعلموا هم بذلك. وبخلاف كثير من الأمور التي يصدقون بها ويظهر العلم بعدها بسنين صِدقها، أميل أحيانًا إلى التمسك بخرافات مع علمي بكونها خرافات. وأعزو ذلك دائمًا في نقاشاتي عند لجوءي لرأي قديم :” أنا أولد فاشن”.

مرة قد قضيت يومًا بأكمله اقنع صديقتي أن ترتدي الأخضر في يوم عقد قرانها؛ لم؟ لأن العادات كذا! ولأن جدتي تقول! ولأنه أحسن! أعلم يقينًا أن لون الثوب لن يحكم على حياتها لا بالسعادة ولا بالشقاء. لكنني أحب الخرافات هذي؛ امسكي مرآة وقت عقد القرآن، مقص جديد، سكر نبات،…. الخ من الخرافات تلك. (صديقتي وافقت على اللون الأخضر فقط؛ للأسف 😂)

هذي الأمور البسيطة والساذجة رغم أنها لا تنفع فهي لا تضر. أعتقد أنها من التقاليد البسيطة الجميلة والتي من الجميل أن نحافظ عليها. بالطبع سنصعد درجة عن اجدادنا فنقوم بها ونحن نعلم أنا محظ خرافة وإلا فإنا نخطو خطو والد سيدنا ابراهيم.

يعجبني كب الملح لمنع الحسد، جلسة الحنّة وقطع القماش السبعة، الزعفران في مفرق الشعر، تبادل الأطباق قبل الأذان بدقيقتين في شهر رمضان، صنع البخور المنزلي، ملء كوب الشاي حتى يفيض، وخلط البهار. (لكني لسه ما أحب الحنا الحمرا)
بالإضافة لذلك؛ فإني أجد قرارات كبار السن كانت محنكة. فأنا شخص صالح لي أفضل أم على وجه الخليفة، وبالطبع أمي شخص صالح لها أم الأفضل على وجه الخليقة، جدتي شخص صالح لها أم…… نحن نتاج تراكمات وتراكمات من أساليب التربية والتوجيه والقرارات. وأنه من الساذج جدًا أن نلقي بذلك عرض الحائط ونقرر أن نبدأ من جديد. أتفهم أن أساليب قديمة تربوية كالضرب بالخيزرانة قد لا تناسبنا كأفراد من الجيل الجديد. لكن؛ أحيانًا اصرارنا على شق الطريق الجديد بمفردنا سيكون متعبًا، طويلًا، وقد نفوت فيه اختصارات سرية لن نكتشفها لوحدنا.


قد اعزو الأمر إلى كون جيلنا الحالي هو جيل التفتح والتجديد. فنحن من بدأ الهجوم على العادات البالية، وبدأنا في السؤال في الدين وتقنين الصالح من الطالح والحق من الباطل. نحن عصر التفجر المعلوماتي الهائل حيث أصبح الكل: الباحث المقاوم للفكر الصدئ.

ولربما هنا مربط الفرس؛ فدائمًا عندما نتعود على خط ما -بشكل مبالغ فيه ومتطرف- فإننا نبذل مجهودًا مبالغ فيه للعودة للطريق المتزن مما يجعلنا متطرفين في عدم التطرف .طبقوها على أي مثال تريدون؛ شخص نباتي، شخص متدين، شخص ملحد،….الخ. محاولتنا في تصحيح الخطأ أحيانًا تكون مساوية في السوء للخطأ نفسه. لذلك أجد أننا بالغنا في المقاومة والتشكيك فبدأنا ننفصل تمامًا عن ماضينا. بالغنا في ردة الفعل حتى باتت عبارة (عادات وتقاليد) مقرونة بالتخلف، المحدودية والثبات. كمثال: كانت العادة عندهم أنا تطرق الجارة بيت الجارة وتدخل بلا موعد. أصبح هذا قلة ذوق وتعدي على خصوصيات الناس، فصارت بمواعيد وتكلف، ثم خفت واختفت. وهذا قد يكون نتيجة لوجود شبكة الانترنت ايضًا فأنا اكتب على سبيل المثال لا الحصر. كمثال آخر: كانت الامهات قديمًا يقومون بتوبيخ صغارهم أمام الأمة جمعاء في حال خطئهم، وهذا في الوقت الحالي قد يؤثر على نفسية الطفل ويؤذيها للأبد، فالحوار الشخصي في المنزل عن التصرف الخاطئ هو الطريقة المثلى للتربية حاليًا. ثم اصبحت الامهات يختصرن التوجيه ويدعون المجال لحرية التعبير والتعلم التلقائي. حتى صار الاطفال يتصرفون كما يشاؤون متى ما يشاؤون دون ارشاء.( ايوا اقصد الأطفال في المحافل الاجتماعية اللي يتصرفون بقلة ذوق والام ماتحرك ساكن، عشان ماتفشله قدام الناس. غلط!!)
مجددًا؛ ليست كل تجارب الأقدمين مذهلة، ولكل مقام مقال وكما قال الامام علي -رغم اختلاف الصياغة-:” لاتقسروا اولادكم على ادابكم فانهم مخلقون لزمان غير زمانكم ”

‎صرنا نحارب الخرافة؛ هذا جيد جدًا بل ممتاز. لكننا بدأنا ننفصل عن أنفسنا وعن اسباب البهجة الصغيرة وتجارب الامهات الكبيرة. قد يكون من الصعب الامساك بالعصا من المنتصف. لكني أعتقد أننا يجب أن نحاول أن نخلخل العادات وننتقي منها قبل أن ننسى كل شيء.


*جدتي تُحب شرب بيالة الچاي بالورد*

وعلى سبيل النسوية وشهرتها حيث صارت الموضة الحالية؛ وهي حركة تعنى بالدفاع عن حقوق النسوة والطلب في المساواة الحقوقية بجميع سبلها وتفرعاتها.
احدى المواقف التي من المستحيل أن أنساها والتي لها الأثر الكبير في حياتي؛ والتي تجعلني دائمًا ابتسم وأفكر في أن للوالدين طرق تعامل خاصة منذ الطفولة لها أثر كبير ممتد ومزهر.

كنت في الصف الأول الابتدائي -٧سنوات- وكنت أتحدى أحدى أخوتي في أمر لا أذكره حاليًا. وفي منتصف التحدي اكتشفت أني سأخسر؛ فغيرت موقفي في التحدي. اعترض الطرف المقابل على التغيير: كلمة الرجال وحدة! وهي عبارة دائمًا ما تلقى للدلالة على ثبات رأي الشخص وعزيمته.

فرددت وأنا أحاول أن اتمسك بأي أمل للفوز: كلمة الرجال وحدة بس كلمة المرة ثنتين.

انتهى التحدى بكيفية ما هي اخرى لا أتذكرها. لكن الشاهد هنا ماحدث بعد التحدي؛ حيث اخذتني والدتي في مكان معزول وأغلقت الباب وجلست مقابلتي تشرح علي كيف أني يجب ألا أترك لأحدًا فرصة في التقليل في شأن النساء. وان النساء لسن أبدًا أقل من الرجال لا ذكاءً ولا دهاءً ولا قوة. وأني لو استهزأت بقدراتي ولم اقدرها فلن يقدرها أي شخص.

كان حديثًا طويلًا دسمًا كنت وقتها لا أفقهه كله وغالبًا ماكنت أفكر أن الموضوع “مش مستاهل كل ده”.

لكن في الواقع هذا الحدث يرن في عقلي منذ ذلك الوقت وفي كل سنة استشعر عظمة هذا الموقف وقوته وأفكر مدهوشة في عقلية أمي المدهشة في ذاك الوقت وقبل ١٥ سنة حيث شبكة الانترنت لم تكن بقوتها العظمى، ولا المنتديات الثقافية، ولا البرامج التلفزيونية.

وهذا مايدل على أن جيل أهالينا كان له نصيب من كل مانمر به لكنها بدون المسميات الرنانة؛ فلنتفكر.
والآن لو عدنا بالزمن لذلك الوقت: هل نسمي ماما نسوية؟

حُييتم

بيان علي
صفحة التواصل: هُنا

التدوينة رقم مئة: ليست مدهشة بما يكفي.


 

بسم الله الرحمن الرحيم

تحية طيبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شهركم مبارك وأيامكم سعيدة. عسى أن يكتب الله لكم في أيامكم المتبقية في هذا الشهر كل خير وبركة عافية وأن يبلغنا وإياكم تمام الشهر لا فاقدين ولا مفقودين. آمين.

image

هذه التدوينة رقم 100!

حقيقةً ورغم أني لا أحب الهوس بالأيام المميزة 20-10-2010 ولا الأوقات الرهيبة 11:11 نتمنى أمنية؟ إني أتخرج بكرة. إلا أنني كأغلب الناس أحب أن ابدأ نظامي الصحي بداية الشهر، وأن أبدأ الدراسة في الساعة التاسعة والربع، أو النصف، أو الخمس وأربعون دقيقة. لذلك كانت تدوينة المئة تحتاج بعض التفكير. وهذا التفكير يقودنا أني تغيرت 100 مرة مذ نشرت أول تدوينة هنا. 100 تدوينة قد تبدو رقمًا صغيرًا قد يصله الكثير في مدة أقصر، بكثر. لكنني لست جادة في التدوين كما الكثير ولا كما كنت سابقًا. أفكر دائمًا أن أسيطر على زمام أموري وألتزم وأفشل. ولا أعلم ما الوصفة السحرية التي يستخدمها بقية المدونون. أتعلمون؟ لكن، مجددًا أنا سعيدة بالوتيرة التي أسير عليها، سعيدة بالمئة تدوينة –والتي لو ألغينا منها مالم يعد يعجبني لصارت 5-، أنا سعيدة بألف وخمس مسجلين في القائمة البريدية –وإن كان نصفهم قد توقف عن استخدام بريده الإلكتروني أو كان شبحًا-. أنا سعيدة بكم وبي وبالمدونة. فشكرًا كبيرة ودافئة لكم. 

عمومًا يا سادة، قيدني حب التميز هذا وصرت أفكر في هذه التدوينة مئات المرات.فكان المقرر أني سأنشر التدوينة في بداية السنة الميلادية، ثم يوم مولدي، ثم الأول من رمضان، ثم الخامس عشر من رمضان. حتى توقفت عن هذا الهراء كله ونشرتها اليوم. وكان من المقرر أني سأعيد كتابة إحدى تدويناتي القديمة –المحرجة- بفكري الجديد.

بيد أني آثرت تأجيل الموضوع وكتابة تدوينة خفيفة أقوم فيها بالتحدث معكم عما جرى في السنة المنصرمة. حيث كانت جيدة؛ جيدة جدًا. اتخذت قرارات جديدة وجربت أشياء مختلفة ولا أعني بها لا سفر ولا قفز من طائرة أو ركوب خيل. بل اشياء على الصعيد النفسي والشخصي، وهذا أراحني كثيرًا.

 

٢٣

صار عمري ٢٣ سنة. وبخلاف آخر ثلاث سنوات حيث يصاحب يوم مولدي عادةً مشاعر منخفضة مابين الملل، الخيبة، الحيرة، والإحباط. هذه السنة كنت سعيدة جدًا! ولذلك أنا سعيدة فقد كنت أتصور أن لعنة تلاصقني -مبالغة شديدة اللهجة-. السنة المنصرمة كانت سنة صعبة مفيدة؛ قلت نعم على مهمات صعبة لم أكن أعتقد أنني مستعدة لها ولا قادرة على انجازها. انخرطت في كثير من الأعمال فكنت ابتسم ببلاهة على كل عمل جديد وكأني لا أملك ما يكفيني. ولذلك تطورت كثيرًا، وتعلمت كثيرًا. قمت باشياء كنت أحاول تعلمها بملل منذ مايقارب الخمس سنوات. واجهت ضغوطًا كانت تبكيني حقيقةً. فكنت انام أقل من اللازم وأكثر من اللازم؛ وذلك يعتمد على كمية العمل وموعد التسليم فإما أن اشرب الكثير من الكافيين لانجزه أو احاول الهرب. ولكل تلك التجارب أنا ممتنة جدًا. لا أستطيع أن اعدد الانجازات التي صنعت مني نسختي الجديدة لأنها صغيرة متناثرة وقد تبدو تافهة؛ لكن معظم النيران من مستصغر الشرر صح؟

 

٥/٦

انهيت سنتي الخامسة في برنامج بكالوريوس طب الأسنان. الحمدلله -تتنفس الصعداء-. هذه السنة هي الأصعب في رحلتي الدراسية؛ ولا يعزو ذلك إلى دسومة السنة ولا صعوبتها بل حياتي كلها فيها. الطريف أنني قررت في هذه السنة أن اجرب ألا اهتم حتى لا أندم كما ندمت بعد تخرجي من الثانوية:” وليش ماجربت اطنش واعيش”. ورغم أنني كنت اقوم بقصارى جهدي إلا أنني كنت لا أحمل نفسي فوق طاقتها كما كنت أفعل دائمًا، ولا اندب حظي عند كل مصيبة. ومرت السنة؛ لكن ذلك لم يناسبني. اكتشفت اني أملك صفة غريبة؛ أنا أحب أن اجهد نفسي في العمل! لا ترضيني النتائج إلا بعد أن تخرج روحي من عيني. لا أعرف لو أني أحتاج أن اغير هذا الطبع لكنني أعلم أنه ماسأقوم به في سنتي السادسة في الكلية.

 

من كان له حيلة فليحتال

من فترة طويلة جدًا جدًا فقدت مرونتي في القراءة، وضعفت طاقة تركيزي. وكان الموضوع يزعجني كثيرًا. بدأت في تغيير بعض العادات ومحاولة في اكتساب بعضها. فلتحسين مستوى تركيزي السمعي بدأت بالاستماع للكتب المقروءة بدل قراءتها، وبذلك اقرأ الكتاب واحسن مستوى استماعي في وقت واحر. الموضوع صعب، فمن السهل جدًا أن تشرد وأنت تستمع فأنت لا تستخدم إلا حاسة واجدة بالمقارنة بالقراءة الفعلية (حيث تستخدم حاسة اللمس والبصر سويًا). غير أني وجدت أن طبيعة العمل الذي تقوم به قد يحفز تركيزك أو يضمره. فالقيام بأعمال روتينية كغسيل الصحون مثلًا، المشي أو مسح الأرفف، قد يسهل العملية. في حال أن القيام بأمور تتطلب التركيز قد تسرقه ( فلا تجربوا مثلًا أن تقرأوا كتابًا وأنتم تقومون بفرز أدراجكم).

أين استمع؟ في ساوندكلاود أو حتى في اليوتيوب. رغم أنني أنزعج من ذلك فيما يتعلق بالحقوق الفكرية، فلو كان عندكم بديل فضلًا أخبروني.

كما أنني بدأت بقراءة الكتب على هاتفي المحمول غصبًا وتوقفت عن التعلل بتفضيلي الكتاب الورقي، فصرت أملك نسخة محمولة لكل كتاب ابدأ بقراءته ورقيًا. في لم يكن الكتاب الورقي معي، فالنسخة الإلكترونية بالتأكيد موجودة. هل حسن ذلك من أدائي؟ ليس كثيرًا لكنه فعال بما يكفي حاليًا.

 

هُنا والآن

قررت أن أعيش مشاعري كاملة. بمعنى أني بدأت أركز على مشاعري الحالية، ولا أكلف نفسي مالا طاقة لها. صرت أرد على المكالمات والرسائل متى ما شعرت أنني أستطيع أن أقوم بذلك –في حال كونها غير مستعجلة-، وبذلك أنا عندما أقود بالرد عليك فإنني أرد بكامل طاقتي، تفكيري ومشاعري. وهذا جيد من ناحيتين: الأولى أنني لم أعد أشعر بالضغط الاجتماعي الوهمي هذا مما أزاج ثقلًا عن رأسي. والثانية أنني لم أعد أفرغ مشاعري في غير محلها فعندما أكون سعيدة لا أتسرع في قبول كل ما يطلب، وعندما أكون محبطة؛ أنا لا أقوم بتفريغ جل سلبيتي في ردي.

ألغيت خاصية (آخر ظهور) من وقت طويل جدًا جدًا، وقبيل سنة ألغيت خاصية (العلامات الزرقاء التي تعني أن المستقبل قرأ الرد). وقد أكون ترددت في البداية كون الخاصية تطبق على الطرفين فلا أنا أرى متى قرأوا ردي ولا هم يعلمون إن كنت قرأت؛ لكنني لم أندم ولا لحظة على هذا القرار. اكتشفت أن هذي الخصائص هي ضغوط اجتماعية وجدت من قبل مصممين البرامج اختياريًا وليست حاجة ولا ضرورة. هي تغذي فينا المشاعر السيئة أكثر من تلك الجيدة – على الأقل بالنسبة لي-. وأنا لست بحاجة لتعذية هذا الجانب من حياتي.  ومن هذا المنطلق، آسفة لكل شخص كنت اتأخر في الرد عليه وكان يجد الموضوع مزعج، لكنه كان شيء صحي أحتاج أقوم فيه.

صرت أقدر اللحظة؛ في كل مرة أنغمس في عمل ما أو أكون في محفل ما؛ صرت أتوقف لمدة دقيقة لأفكر: أنا أين؟ ماذا أقوم به؟ ماهي مشاعري حاليًا؟ حقيقةً هذا الأمر أدهشني! صرت أقدر لحظاتي السعيدة بشكل أكبر، صرت أستشعر الفرص الذهبية التي أمتلكها، وصرت أتخلص من مشاعري المنخفضة بشكل أسرع. عندما تصل لمرحلة الوعي باللحظة، تستطيع أن تعيشها كتجربة كاملة وتتصرف فيها وأنت بكامل قدرتك العقلية. جربوا! ربما هي خرافة ساذجة اخترعتها وقررت أن اصدقها؛ أو أن شيئًا فيكم سيتغير.

 

 

في نهاية التدوينة، أخبروني عنكم؟ كيف أخباركم؟

 

حُييتم.

 

تدوينات قد تعجبك:

أن الاختلاف ثراء

نصف حياة.

لم الشخصيات الشريرة مثيرة للإهتمام؟ 

أيش آخر تويتة كتبتها؟

أن الاختلاف ثراء*


 

بسم الله الرحمن الرحيم

تحية مباركة في يوم أحد عليكم؛ فسلام الله ورحمته وبركاته

آخر تدوينة نشرت كانت قبل ما يقارب الشهرين، أحداث كثيرة وتغيرات كبيرة كانت أسرع من أن نسابقها مع وجود كمية تقاعس لا بأس بها على الرف دائمًا جاهزة للاستخدام. وبذلك تقرر تعويض هذا الشهر بتدوينتين. بالمناسبة؛ هذه التدوينة رقم 99 في مدونتي وهذا يعني أن التدوينة القادمة يجب أن تكون مميزة جدًا! ماذا تتوقعون؟

بالعودة إلى حديثنا؛ الأمر كله ابتدأ بجلسة خفيفة مع صديقتي العزيزة جدَا (ألف) حيث كنا نجلس في مقهى الكلية نتحدث عن الدنيا وسبل الحياة فيها حيث ألغى مريضانا موعدهما معنا في عيادة الاستعاضات. تحدثنا طويلًا، فكانت البذرة في عقلي تنمو وتكبر طوال أيام الأسبوع.

 

الاختلاف

Women - hand drawn seamless pattern of a crowd of different women from diverse ethnic backgrounds Stock Vector - 48042580

كثيرًا جدًا ما يتحدث المفكرون في هذه الحقبة الزمنية عن أهمية تقبل الاختلاف في الأفكار، المعتقدات وغيرها. وكيف أن على الشخص ترك عقله مفتوحًا لكافة الخيارات والاحتمالات فيزداد هذا العقل مرونة واتساعًا. يقول ميخائيل نعيمة على لسان الأرقش :” ما أضيق فكري حين لا يتسع لكل فكر” فغدى التقبل والانفتاح موضوعًا شهيًا يتغذى به القاصي والداني. وهذا الأمر كله جيد، جيد جدًا لكنه وباعتقادي القاصر لم يصل بعد للنقطة التي اسمو إليها. لأننا بدأنا نخلط التقبل بـالتحاشي. وهذا التحاشي يبني طبقاتٍ من الصدأ على مفهوم التقبل. ماذا أعني بذلك؟ وبعيدًا عن التحايل ولأني احب الصراحة والوضوح؛ فلأضرب لكم مثلًا حيًا أعيشه. في الجامعة؛ نعيش التقبل بين الطوائف المختلفة ولنكن واضحين جدًا بين السنة والشيعة ففي المصلى تقف تلك مُسبلةً وتصطف بقربها صديقة تكتف يديها. الوضع أريحي جدًا في هذا الإطار: بيد أننا لا نتحدث أبدًا، أبدًا عن هذي المواضيع. وهنا مربط المشكلة.

 

التجاهل المتعمد

نتيجة بحث الصور

نحن نتصنع تقبل الاختلاف ولا نعيشه حقيقةً وذلك قد لا يكون جراءَ خلل في الفكر أبدًا بل العكس في بعض الأحيان. فالشخص الواعي قد يعتقد أنه بفتح هذي المواضيع لن تُبنى إلا نقاشات عقيمة بائسة مليئة بالخلافات، فهو بتحاشيها يعتقد أنه يحفظ البيئة الاجتماعية السليمة. وهذا بالتسلسل يتعلق بكوننا أصبحنا أكثر حساسية حتى صار سؤالٌ مثل:” أنتِ شيعية؟ أو أنتِ سنية؟” مغلوطًا ومثيرًا للفتنة والبلبلة فتنشأ اللهجة الدفاعية عن الوطنية والتلاحم والوحدة الإسلامية وغيرها من المبالغات التي لا طائل منها. –وقد وقعت في ذلك كله، لست أفضل من أي شخص آخر-. لكن ألم يولِّ هذا الزمن وتلك الحساسية التي نشأت في ظروف معينة رمادية؟

التجاهل المتعمد في القانون، هو تجاهل جهة معينة لمادة معلوماتية مهمة كان بامكانه الحصول عليها والاستدلال بها بيد أنه قام بتجاهلها عمدًا لأسباب معينة. وعلى ذلك تُساءل! بذات الطريقة نحن عادةً نقوم بتجاهل بعض المواضيع أو السلوكيات التي يقوم بها البعض بشكل متعمد حتى لا نقع معهم في منطقة مشحونة قد تزلزل العلاقة التي قد بنيناها معًا. فبعيدًا عن المذاهب وتجاهلنا لمواضيع عادية تنصب في ذات المحور، عقلنا الفذ هذا يقوم أيضًا بذات العملية، فيقوم بحجب بعض الذكريات السيئة وذات الأثر النفسي العميق عنا، من أجل حمايتنا. وبالعودة للموضوع؛ هذا ما نقوم به، نتجاهل وجود الأمر حتى لا نقع في المشاكل.

مجددًا هذا كُله ليس بخطأ، لكنني لا أعتقده كافيًا. مررنا بمرحلة الشجار، ثم الشجار، ثم الهدوء، ثم الشجار، ثم الدفاع، وعشنا التجاهل المتعمد، لكننا لا زلنا لا نعيش تقبل الاختلاف.

إقرأ المزيد

أحاول أن أكون حقيقية


بسم الله الرحمن الرحيم

تحية طيبة؛ سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

image

دعوني أختصر ثلاث أسطر أبعثر فيها اعتذاراتي  دائمًا عن كوني لا زلت غير متقنة لفن المقدمات في كتابة تدويناتي ولأدخل في صلب الموضوع مُباشرة. تدوينة اليوم عبارة عن جميع لتأملات عديدة قد عشتها، أو استلهمتها من مواقف عادية وعميقة لصياعة هذه الفكرة.  وكعادتي الغريبة؛ تدوينتين جاهزتين في المسودات تنتظران النشر إلا أني آثرت كتابة واحدة جديدة ونشرها حالبًا. غريبة بما يكفي؟ والآن ماذا أقصد بكوني أحاول أن أكون حقيقية؟ إقرأ المزيد